رأي

الفاشر تُعلن ميلاد صفحة جديدة: من معركة التحرير إلى مشروع التأسيس

دكتور حذيفة ابونوبة

 حذيفة أبو نوبة

في هذا اليوم المهيب الذي يسجله التاريخ بمداد من الفخر، نزفّ إلى جماهير شعبنا وإلى كل الأحرار في ميادين الصمود بشائر نصرٍ وتحولٍ جوهري في مسار معركة الخلاص الوطني. فقد تمكنت قواتنا الباسلة — بعزيمة لا تُلين وإرادة لا تُقهر — من تحرير الفرقة السادسة مشاة؛ خطوةً عسكريةً لم تقتصر دلالتها على استعادة موقع استراتيجي فحسب، بل امتدت لتعيد رسم خرائط القوة وتضع حداً لهيمنة قديمة، فاتحةً باباً لمرحلةٍ جديدةٍ عنوانها «التحرير الشامل وبناء الدولة المنشودة».

إنّ قيمة هذا الانتصار لا تُقاس بالمساحة المأخوذة أو بالثكنات التي سُيطر عليها، بل في التحوّل البنيوي الذي أحدثته معادلات القوة والسياسة. فحين تنتقل المبادرة من منطق الدفاع المتعب إلى فعلٍ وطنيٍ يفرض وقائعه على الأرض، فإننا أمام ميلاد مشروعٍ سياسيٍ قادرٍ على تحويل الزخم العسكري إلى رهانات بناءة لصالح الوطن: أمنٍ مستدام، إدارة مُحترمة، ومؤسساتٍ تُجسد حكم القانون والمواطنة.

لا يخفى أن المعركة في جوهرها معركة وعي قبل أن تكون معركة سلاح. ما تحقق ليس انتصار بندقيةٍ على أخرى، بل هو ثمرة وعيٍ جمعيٍ وحسِّ مسؤوليةٍ ناضجٍ تجاه مستقبل البلاد. فالمشروع الذي نريد أن يُبنى من نتائج هذه المعارك يجب أن يتجاوز منطق المحاصصة والانتقام، ويؤسس لآليات إعادة بناءٍ تحمي المدني وتؤمن الخدمات وتضمن مشاركةً حقيقيةً للأقاليم في صناعة القرار.

وفي هذا المسار، يجب أن يكون العنوان الأكبر هو حماية المدنيين وصون كرامتهم؛ فتحرير المواقع العسكرية لا يكتمل إن لم يقترن بتأمين حياة الإنسان، وإعادة فتح المدارس والمستشفيات، وتسهيل عودة النازحين بصورة كريمة. كما يتوقف استدامة الأمن على قدرة القيادات على تحويل انتصارها العسكري إلى مشروعٍ سياسيٍ شامل يتبنّى مدنية الدولة وفصلها عن أَفْراد الولاءات الضيقة.

نبارك لهذا الشعب هذا الإنجاز، ونستحضر أرواح الشهداء الذين رووا التربة بدمائهم الطاهرة؛ فهم الذين أوصلوا هذا الشعب إلى محطةٍ تسمح له بأن يحلم بمستقبلٍ أفضل. وتأتي مهمتنا الآن مزدوجة: الحفاظ على المكتسب، والعمل بلا هوادة على ترسيخ إطارٍ مؤسسيٍ يضع المصالح الوطنية فوق كل اعتبار، ويعيد توزيع الثروة والسلطة بطريقة تُنهي منطق الإقصاء والوصاية.

إنّ راية التأسيس التي رفعتها القوات في ميادين البطولة يجب أن تُترجم إلى مؤسساتٍ شفافةٍ ومساراتٍ سياسيةٍ تُفضي إلى توافقٍ وطنيٍ حقيقي. فالتحرر من قيدٍ عسكريٍ أو رمزيٍ هو بداية الطريق، أما استكمال المسار فمرهون بقدرتنا على بناء دولةٍ تحمي حقوق الجميع وتكفل العدالة وتؤسس للسلام.

ليكن هذا اليوم محطةً للاحتفال، وفي الوقت نفسه دعوةً للعمل والمسؤولية. فالوطن لا يُستعاد سوى ببصيرةٍ وأخلاقٍ وطنيةٍ تجتمع فيها الإرادة والعقل لصياغة غدٍ أفضل لأبناء السودان جميعاً.

المجد للشهداء، والسلامة للجرحى، والعمل الدؤوب من أجل سودانٍ يليق بشعبه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!