البرهان بين التخبط الرمزي والواقع السوداني: العودة إلى العلم القديم نموذج للفوضى القيادية
التنوير .. تحليل سياسي

التنوير.. تحليل سياسي
أمس، أثار خطاب قائد الجيش السوداني جدلاً واسعًا بعد إعلانه عن العودة إلى العلم القديم ودولة 1956، في تصريحات تكشف حالة من التخبط السياسي العميق الذي يعيشه السودان اليوم تحت قيادته. الخطاب يعكس خلطًا بين الرموز الوطنية والتوجهات الخارجية، ما يزيد من حالة عدم اليقين ويعقد جهود تحقيق السلام والاستقرار.
حديث البرهان عن العلم القديم يبدو كرسالة رمزية محملة بالحنين إلى سلطة مركزية لم تعد مقبولة شعوبياً، خاصة في مناطق الهامش التي لم تعترف بمؤسسات الدولة في تلك الفترة التاريخية. هذه الإشارة الرمزية، بدل أن تعزز الشرعية، تعكس فجوة عميقة بين خطاب القيادة وواقع التطلعات الوطنية، حيث يبحث المواطنون عن حلول حقيقية لمشاكلهم اليومية، لا عن رموز من الماضي.
كما أن الخطاب يعكس تأثر القيادة بالضغوط الخارجية، سواء عبر محاولاته للظهور في أحضان الإسلامويين أو عبر النفوذ الإقليمي لمصر، ما يجعل خياراته السياسية متذبذبة وغير مستقرة. هذا التردد بين رسائل داخلية رمزية وأجندات خارجية يبرز ضعفًا استراتيجيًا واضحًا، ويزيد من صعوبة إدارة الأزمة السودانية بشكل عقلاني وموضوعي.
بالإضافة إلى ذلك، يشير حديث البرهان إلى غياب رؤية واضحة لبناء الدولة، حيث يركز على الرموز التاريخية بدل معالجة الاختلالات المؤسساتية الحالية. استمرار هذا النهج يعزز الانقسامات السياسية والاجتماعية ويجعل أي حوار وطني حقيقي صعب التطبيق، لأنه يبقى محصورًا بين خطاب رمزي بعيد عن الواقع وبين مصالح شخصية وقوى خارجية تتحكم بخيارات القيادة.
إن خطاب البرهان ليس مجرد خطأ استراتيجي؛ بل هو مؤشر على أن السودان تحت قيادته يواجه أزمة هوية وسيادة حقيقية. استمرار هذا التخبط يهدد جهود وقف الحرب، ويؤخر بناء جيش مهني، ويعطل استعادة مؤسسات الدولة، ويؤجج الاستقطاب الاجتماعي والسياسي.
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج السودان إلى قيادة مستقلة، واضحة الرؤية، قادرة على تجاوز رموز الماضي والارتباط بالأجندات الخارجية، ومركزة على بناء الدولة ومؤسساتها بما يضمن السلام والاستقرار، ويحمي حقوق المواطنين، بعيدًا عن فوضى التخبط الرمزي والسياسي. فالمطلوب قيادة تعطي الأولوية لإصلاح السودان، لا لتكرار رموز الماضي المرفوضة التي لا تمثل الشعب ولا تطلعاته.




