
علي سانتينو
في بلدٍ أنهكته الحرب وتحوّلت فيه الكارثة إلى روتين، اختار جيش عبد الفتاح البرهان أن يضيف للفارين من السعير جرحاً لا اخر يندمل، ولا يمكن تبريره بأي خطاب سياسي خداعي. لقد وصل الإنحدار إلى مستوى لا يمكن وصفه إلا بالسقوط في الهاوية، لقد أصبحت قوافل الإغاثة التي تحمل آخر بصيص أمل للنازحين والجائعين هدفاً لطائرات مسيرة تتحرك بأوامر جماعة إسلاموية لا تهاب القانون ولا تهتز أمام صرخات الجوعى من الأطفال. عملية قصف معبر أدرِي بمسيرة تركية لتنظيم الاخوان المسلمين لم يكن عمل عسكري، كان إعلاناً صريحاً أن حياة السودانيين أصبحت في نظر هذه المنظومة لعبة سياسية رخيصة، ومعاناة الفارين من الحرب اصبحت وقوداً لماكينات تخريب تبتلع كل ما تبقى من شعور إنساني!
القصف في أدرِي لم يكن أولى الجرائم الإخوانية لوقف المساعدات الإنسانية، بل كان واحداً من سلسلة طويلة تستهدف ما يعتبره القانون الدولي منطقة محرمة على السلاح. فالضربات السابقة في زالنجي، أثناء وجود مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، جاءت وكأن الجيش يريد أن يرفع صوته في وجه المجتمع الدولي بتدمير المساعدات أمام أعين العالم، ولن يفعل العالم شيئاً، وهذا ما حدث بالفعل. حيث سبق أن قصفت الطائرات قوافل الإغاثة في مدينة مليط وقبلها في الكومة، لم يحرّك ساكناً لدى مجلس الأمن، ولا لدى القوى الكبرى التي تتفنن في إلقاء خطب إنسانية رنانة بينما ينهار الواقع على رؤوس الملايين الذين ينظرون إلى الدقيق والدواء يحترقان أمام أعينهم بالطائرات التي يفترض أن تُستخدم في حماية المدنيين لا في تجويعهم!
إن ما يقوم به جيش البرهان ليس انتهاك وإنما هو جريمة مقصودة، جريمة يرتكبها مع علمه التام أن المجتمع الدولي لن يتحرك، وأن صمت الهيئات العالمية يمنح الأيديولوجيون الضوء الأخضر لمواصلة القصف وكأن السماء السودانية صارت ملكاً لطائرات تتحرك بعقلية الانتقام والحصار والتجويع. لقد أصبح واضحاً أن القوى الإسلاموية التي تتحكم في هذا الجيش تتعامل مع الغذاء كسلاح، ومع الإغاثة كعدو، ومع حياة المدنيين كورقة مساومة سياسية. وحين يفشل المشروع السياسي في السيطرة على الأرض، تلجأ هذه القوى إلى السيطرة على القوت، إلى خنق الناس وتجويعهم، وإلى تحويل الدقيق إلى ساحة حرب لا تقل قسوة عن ساحات القتال!
وما يزيد الجريمة فظاعةً ان يحدث هذا أمام أعين المنظمات الدولية التي اكتفت ببيانات استنكار لا يقرأها أحد، وكأنها تصدر للاستهلاك الداخلي وليس لإنقاذ البشر ! العالم يتحدث عن قلق عميق، بينما أطفال السودان ينتظرون شاحنات الإغاثة التي تدمرها الطائرات المعابر. العالم يطالب بالتحقيق العاجل بينما الأمهات يبحثن في الرماد عن بقايا دقي ينجو من القصف. لقد أصبح السودان مختبراً صارخاً لمدى قدرة النظام الدولي على الفشل، ومدى هشاشة القوانين التي يتفاخر بها العالم وهو يشاهدها تُحرق بالطائرات بلا رادع!
الجيش الذي يقصف الإغاثة هو جيش فقد البوصلة كاملاً؛ جيش لا يستطيع أن يحارب لفرض سيادة، ولا يدافع عن حدود، ولا يحمي شعباً. إنه جيش تحوّل إلى ذراع سياسية لتنظيم عقائدي يستخدم أدوات الدولة لفرض مشروع ضيق لا يعترف بغيره، ولو كان الثمن أن يموت شعب كامل تحت حصار الجوع. ومن يتجرأ على ضرب قوافل المساعدات لن يتردد في ضرب مخيمات النازحين وحتى فرق الإسعاف. فمن يطلق النار على العلاج لن يتورع عن إطلاقه على الحياة كلها!
إن ما يحدث اليوم في السودان يتطلب مواجهة مباشرة لا تجميل فيها ولا نصف حلول. لا يكفي التنديد ولا يصلح الصمت، ولا يمكن الاستمرار في الشكوى إلى مؤسسات دولية أثبتت عجزها عن المواجهة، المطلوب هو إجراء جذري واضح ومباشر، إيقاف الطيران الذي يستهدف الإغاثة بالقوة القانونية الدولية قبل أن يتحول التجويع إلى سياسة رسمية معترف بها دولياً. كما يجب فرض حظر جوي شامل على الطائرات المسيّرة والطيران العسكري الذي يستخدم في ضرب خطوط الإغاثة، ويجب دعم هذا الحظر بآلية رقابية دولية حقيقية لا تخضع لابتزاز القوى الإقليمية ولا لمساومات السياسة. يجب كذلك إنشاء ممرات إنسانية محمية بقوة القانون، ممرات لا يسمح فيها لأي جهة أيّاً كانت بعرقلة الغذاء أو منع وصول الدواء إلى المستحقين.
والأهم من ذلك، يجب أن يُعامل كل استهداف للإغاثة كجريمة حرب لا تقبل التسويف أو التدوير الدبلوماسي. فالسودانيون لا يموتون لأن الحرب تلاحقهم فقط، بل لأن العالم ترك الطائرات تلاحقهم. وما لم يُوقف هذا العبث فوراً، فإن الخراب لن يتوقف عند دارفور، الخراب يسيطر وسيصبح نموذجاً جديداً للوحشية في القرن الحادي والعشرين. لقد حان الوقت لقول الحقيقة بلا تردد: ان الطيران الذي يقصف الإغاثة في السودان بقصد تجويع النازحين يجب أن يُمنع فوراً… وإلا فالمجتمع الدولي شريك في هذه الجرائم، شاء أم أبى.




