رأي

قصة مدينتين في حرب السودان: نيالا وأنقرة

منال علي محمود

 

منال علي محمود

manal002002@gmail.com

صورتان لشابين سودانيين داخل بلدٍ واحد يعيش حرباً واحدة، لكن بواقعين مختلفين تماماً.

شابان سودانيان، الأول نجل عبد الفتاح البرهان، والثاني نجل محمد حمدان دقلو “حميدتي”، لكن ما يظهر للناس ليس الأسماء بقدر ما هو المشهد ذاته: مساران لا يلتقيان داخل وطن واحد.

في الصورة الأولى، شاب سوداني تُوفي في حادث مروري في تركيا، وهي واقعة فتحت نقاشاً أوسع من تفاصيلها المباشرة، حول معنى المسافة بين حياة أبناء مواقع السلطة وبقية الناس، وكيف تُبنى الحياة وتُدار خارج حدود الحرب، حتى عندما تنتهي فجأة في مكان بعيد عن ساحة القتال.

في الصورة الثانية، شاب يجلس لامتحان الشهادة السودانية بعد سنوات من الانقطاع بسبب الحرب، وكأنه يحاول استعادة زمنٍ توقف قسراً، في مدن كانت يوماً جزءاً من حياة طبيعية ثم أصبحت جزءاً من جغرافيا الصراع.

ما يفتقده كل شاب هنا لا يتعلق فقط بالمكان، بل بالمعنى الذي تُبنى عليه الحياة من الداخل.

الأول، في ظل موقع أسرته داخل مركز القرار العسكري، تُقرأ حياته من الخارج بوصفها حياة تدور خارج نطاق الحرب المباشر، حيث تبقى الحركة ممكنة، والفرص قائمة، حتى لو انتهت القصة بلحظة مفاجئة في حادث يذكّر بهشاشة الحياة نفسها.

والثاني، ابن واقعٍ آخر داخل قلب الصراع، يرى أن الكرامة لا تنفصل عن وقف الحرب نفسها، وأن استمرارها لم يعد قابلاً للاستمرار بهذا الشكل أمام حجم الاستنزاف الذي يطاول المجتمع كله.

لكن ما بين الصورتين، هناك مساحة أوسع غالباً ما تغيب عن النقاش العام: السواد الأعظم من السودانيين الذين يعيشون آثار الحرب اليومية، خصوصاً في مناطق واسعة من غرب السودان، حيث انعكست الحرب على تفاصيل الحياة الأساسية، من التعليم إلى الخدمات والأمان، في واقع شديد التعقيد أعاد تشكيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية بشكل عميق. في غرب السودان، تتقدم أولوية التعليم ووقف الحرب على أي خطاب آخر، لأن كلفة استمرارها لم تعد تحتملها حياة الأسر.

أما الأب في كل طرف، فالمشهد هنا ليس سياسياً فقط بل إنساني أيضاً.

الأب الأول حمل الجاروف بيده ليواري جسد ابنه الراحل على بعد مئات الأميال من صوت الحرب، في لحظة صمت تختصر قسوة الفقد مهما كانت المواقع.

والأب الثاني قرع الجرس للمتحنين، وابنه بينهم، إيذاناً ببدء الامتحانات، كإشارة لعودة الحياة إلى مسارها الطبيعي داخل مساحة ما رغم الحرب المحيطة.

وفي خطاب كل طرف، يتجلى موقعه من الحرب لا فقط موقفه منها.

الأب الأول يتحدث من موقع السلطة التي ترى الحرب كمعركة بقاء للدولة ومؤسساتها، فتُصاغ اللغة حول مفاهيم مثل “الواجب” و“استعادة الاستقرار” و“حماية الدولة”، مع أولوية الاستمرار حتى الوصول إلى نهاية للصراع.

والأب الثاني يتحدث من موقع طرف منخرط في الصراع، حيث تتداخل لغة المواجهة مع دعوات متكررة لوقف الحرب أو التوصل إلى تسويات، باعتبار أن استمرارها يفاقم معاناة المجتمع ويغلق أفق الحياة أمام الناس.

وبين هذين الخطابين، يتشكل وعي كل شاب بطريقة مختلفة.

الأول تُفهم حياته من الخارج كحياة تتحرك خارج ثقل الحرب المباشر، رغم أن نهايتها جاءت في حادث يذكّر بهشاشة الحياة نفسها.

والثاني ينظر إلى الحرب كحالة يجب الخروج منها، حيث تُقاس الكرامة بعودة الحياة إلى طبيعتها، عبر وقف إطلاق النار أو تسوية سياسية تُعيد فتح الطريق أمام المستقبل.

في هذه المسافة بين المعنيين، لا يكون الخلاف مجرد اختلاف سياسي، بل اختلاف أعمق في تعريف معنى الكرامة نفسها داخل بلد واحد يعيش حرباً واحدة بأكثر من أثر.

هذه ليست مقارنة بين شابين، بل بين واقعين داخل وطن واحد، وبين طبقات متعددة من الحياة فُرضت على نفس الجغرافيا.

وما بين الحادث والامتحان، تبقى الحقيقة الأوضح:

أن الحرب لا تُخاض فقط بالسلاح، بل تُعاد هندسة أثرها في حياة الناس… بشكل غير متساوٍ على الإطلاق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!