
نجم الدين دريسة
منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل، لم يعد السؤال في السودان متعلقاً فقط بكيفية إيقاف القتال، بل أصبح أعمق وأكثر خطورة: أي دولة يمكن أن تولد من تحت هذا الركام الهائل؟ وهل يملك السودانيون الشجاعة الكافية لإعادة التفكير في شكل السلطة والدولة والعلاقة بين المركز والهامش، أم أن البلاد ستعود مرة أخرى إلى ذات الحلقة المغلقة التي صنعت الحروب والانقسامات لعقود طويلة؟
الحرب الحالية لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين مسلحتين، بل انفجاراً كاملاً للأزمة التاريخية التي ظلت مؤجلة منذ الاستقلال. فقد كشفت المعارك هشاشة الدولة السودانية، وعرت طبيعة التحالفات السياسية التقليدية، وأظهرت أن الأزمة ليست فقط في شكل الحكم، بل في طبيعة الفكرة التي أُدير بها السودان منذ تأسيسه الحديث.
لأول مرة منذ عقود، لم يعد المركز السياسي القديم قادراً على احتكار تعريف الدولة أو فرض رؤيته الأحادية على بقية البلاد. فالسودان الذي كان يُدار بعقلية “الخرطوم تعرف كل شيء” بدأ يتشقق تحت ضغط الوقائع الجديدة، حيث فرضت الحرب صعود قوى اجتماعية وعسكرية وسياسية من الهوامش كانت لعقود طويلة خارج دائرة القرار الحقيقي.
هذا التحول الكبير أعاد طرح الأسئلة المؤجلة حول العدالة والتمثيل وتقاسم السلطة والثروة. فالأقاليم التي ظلت تدفع أبناءها إلى ساحات الحرب وتُستنزف مواردها لصالح المركز، لم تعد تقبل بالعودة إلى ذات المعادلة القديمة التي تضع القرار السياسي والإداري في يد نخبة محدودة تحتكر الدولة باسم الوطنية أو الاستقرار أو حماية المؤسسات.
في خضم هذا المشهد المعقد، برزت تحالفات سياسية ومدنية وعسكرية جديدة تحاول إعادة تشكيل الخريطة الوطنية وفق توازنات مختلفة. بعضها يسعى إلى بناء مشروع سياسي يعترف بتعدد السودان الإثني والثقافي والجغرافي، وبعضها لا يزال أسيراً لخطابات قديمة تحاول ترميم المركز التاريخي ولو على أنقاض البلاد نفسها.
لكن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في تعدد التحالفات، وإنما في طبيعة العقل السياسي السوداني ذاته. فالكثير من القوى التي ترفع شعارات المدنية والديمقراطية لا تزال تدور داخل نفس الدائرة النخبوية المغلقة، حيث تُدار السياسة من داخل الصالونات المركزية بعيداً عن المجتمعات الحقيقية التي دفعت أثمان الحرب والتهميش لعقود طويلة.
ورغم أن الحرب خلخلت التوازنات القديمة، إلا أن السودان لم يشهد بعد انتقالاً حقيقياً نحو مشروع وطني جامع يُعيد توزيع السلطة والثروة بصورة عادلة. فما زالت غالبية التحالفات تعاني من ضعف التمثيل القاعدي، وغياب النساء والشباب والقوى الريفية والرعوية عن مراكز القرار، وكأن النخب لم تتعلم شيئاً من انهيار الدولة ومن الدماء التي غمرت البلاد.
المفارقة الكبرى أن الحرب، بكل مآسيها، نجحت في كسر واحدة من أكثر المسلمات السياسية رسوخاً منذ الاستقلال: احتكار الجيش السوداني التقليدي لتمثيل الدولة والسيادة الوطنية. فقد فرض الواقع العسكري الجديد معادلة مختلفة أعادت تعريف القوة والنفوذ والشرعية، ودفعت البلاد إلى مرحلة غير مسبوقة من إعادة تشكيل المجال السياسي والعسكري معاً.
ولهذا فإن السودان يقف اليوم أمام لحظة تأسيسية نادرة، إما أن تُستثمر لبناء دولة جديدة تعترف بالتنوع وتؤسس لنظام لا مركزي حقيقي، أو أن تضيع في صراعات النخب وإعادة تدوير ذات التحالفات والعقليات التي قادت البلاد إلى الانهيار.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو أن تتعامل القوى السياسية مع الحرب باعتبارها مجرد معركة على السلطة، بينما هي في حقيقتها معركة على شكل السودان نفسه. فالدولة القديمة تتآكل بسرعة، والوعي الجمعي في الأطراف تغيّر بصورة عميقة، ولم يعد ممكناً إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
السودان اليوم لا يحتاج إلى تسويات مؤقتة بقدر ما يحتاج إلى شجاعة سياسية تعترف بأن المركزية التاريخية فشلت، وأن بناء وطن مستقر لن يتم عبر القمع أو الاحتكار أو إعادة إنتاج الامتيازات القديمة، بل عبر عقد اجتماعي جديد يضمن العدالة والمشاركة الحقيقية لكل السودانيين.
ربما يكون الطريق طويلاً ومليئاً بالتعقيدات، لكن المؤكد أن البلاد وصلت إلى نقطة لا يمكن بعدها الاستمرار بنفس الأدوات القديمة. فإما ميلاد سودان جديد يقوم على التعدد والعدالة والشراكة، وإما السقوط في دورة جديدة من الحروب والانقسامات التي قد لا تُبقي وطناً قابلاً للحياة.




