
عبدالرحمن أبو رندة – بنسلفانيا
“حين يتحوّل الدين إلى وسيلة للسلطة، يفقد كلّ قدسيته.”
لم يعد في المشهد السوداني ما يثير اللبس أو الغموض. فقد تأكد للعالم بأسره أن السلام والاستقرار في السودان لن يتحققا بوجود الحركة الإسلامية وجناحها السياسي، حزب المؤتمر الوطني، الذي أشعل الحرب من أجل العودة إلى السلطة عبر بوابة الدمار والدماء.
ففي تصريح هو الأوضح منذ اندلاع الحرب، أكد مسعد بولوس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للشؤون الإفريقية والعربية، أن وجود الإخوان المسلمين أو أي من فلول النظام البائد في أي تسوية سياسية مستقبلية هو خط أحمر بالنسبة للولايات المتحدة ولكل أعضاء الرباعية الدولية. بذلك، تكون واشنطن قد حسمت موقفها نهائيًا، واضعة حدًا لحقبة طويلة من المساومات التي سمحت لتلك الجماعة بالتغلغل في مفاصل الدولة وتخريب مؤسساتها.
لقد أيقنت الولايات المتحدة، ومعها المجتمع الدولي، أن الحركة الإسلامية السودانية كانت ولا تزال العقبة الأكبر أمام أي تحول ديمقراطي حقيقي. فهي التي غذّت الصراعات القبلية، وأشعلت الحروب الأهلية، ونهبت موارد البلاد، ودمّرت النسيج الاجتماعي، حتى بات السودان واحدًا من أكثر الدول هشاشة في القارة الإفريقية.
والأهم أن الحرب الأخيرة لم تكن سوى محاولة يائسة لإعادة إنتاج سلطتهم المنهارة، بعد أن لفظهم الشارع السوداني بثورته المجيدة. لكن يبدو أن الزمن تغيّر، والعالم تغيّر، ولم تعد تلك الشعارات الزائفة تجد آذانًا تصغي إليها.
لقد ربطت واشنطن، بوضوح، بين استمرار هذه الجماعات المتطرفة وبين زعزعة الأمن الإقليمي وأمن البحر الأحمر، ما يجعل اقتلاعها شرطًا لأي استقرار سياسي في السودان والمنطقة. فالتجربة المريرة التي عاشها السودان على مدى ثلاثة عقود كشفت أن من يحكم باسم الدين لا يجلب إلا الفساد والاستبداد.
اليوم، يسدل الستار على مرحلة الوهم، وتبدأ مرحلة الحقيقة: لا مستقبل للإسلاميين في الحكم، ولا عودة عبر فوضى الحرب. إن السودان الجديد يتشكل من بين الرماد، بوعي شعبي متجدد، وبموقف دولي واضح يعتبر الإسلام السياسي خطرًا وجوديًا على الدولة والمجتمع.
“قد تُهزم الجيوش في الميدان، لكن الكذب يُهزم حين يواجهه الوعي.”
لقد انتهى زمن استغلال الدين لتبرير السلطة، وبدأ زمن مواجهة الحقيقة كما هي. فالسودان الذي يريد أن ينهض، لا بد له أن يتحرر من كل من استخدمه سلّمًا للمجد الشخصي، وليبدأ عهد الدولة التي لا مكان فيها إلا للصدق، والعدالة، والسلام.




