رأي

مائة عام من الخراب… لمن؟

خضر كوة

 

 خضر كوة

ليست الكارثة في أن قائداً عسكرياً يتحدث عن استمرار الحرب مائة عام، بل في أن يصبح مصير وطن بأكمله رهينة لعقلية ترى الزمن العسكري أطول من أعمار البشر، وترى الخراب مشروعاً يمكن التعايش معه، وترى دماء الناس تفصيلاً هامشياً في معادلة السلطة.

حين يقال للسودانيين إن الحرب يمكن أن تستمر قرناً كاملاً، فإن الرسالة الحقيقية ليست الثقة في النصر، بل الاستخفاف بحياة شعب كامل. فمائة عام ليست رقماً في خطاب سياسي، بل تعني أجيالاً تولد في المعسكرات، وتكبر في النزوح، وتموت قبل أن تعرف معنى الوطن المستقر أو الدولة الآمنة أو الحياة الطبيعية.

ما الذي يدفع قائداً لأن يتحدث عن قرن من القتال بينما الملايين يبحثون عن رغيف الخبز والدواء والمأوى؟ وما الذي يجعل استمرار الحرب هدفاً قائماً بذاته بينما تتآكل البلاد يوماً بعد يوم تحت وطأة الجوع والانهيار والتهجير؟

السودانيون اليوم لا ينتظرون بيانات النصر، ولا تعنيهم المزايدات العسكرية، ولا يملكون رفاهية الانشغال بمن تقدم ومن تراجع في ساحات القتال. ما يشغلهم سؤال واحد فقط: متى تتوقف هذه المأساة؟ متى يعود النازح إلى منزله؟ متى يعود الطفل إلى مدرسته؟ متى تتوقف الأمهات عن عدّ الضحايا كل صباح؟

لكن الذين اعتادوا النظر إلى السودان من نوافذ السلطة لا يرون هذه الأسئلة. إنهم يرون الخرائط ولا يرون البشر، ويرون المواقع العسكرية ولا يرون المقابر، ويرون الحسابات السياسية ولا يرون ملايين الأرواح التي تُسحق تحت عجلات الحرب.

الأخطر من ذلك أن استمرار الصراع لم يعد يبدو مجرد خيار عسكري، بل أصبح جزءاً من شبكة مصالح واسعة تستفيد من بقاء البلاد في حالة نزيف دائم. فكلما طال أمد الحرب تمددت مصالح المنتفعين منها، واتسعت دوائر المستفيدين من اقتصاد الدمار، وازدادت المسافة بين معاناة الشعب وحسابات النخب المتصارعة.

ولذلك لم يعد كثير من السودانيين ينظرون إلى الحرب باعتبارها معركة لحماية الوطن، بل باعتبارها معركة لحماية مشاريع سياسية وأيديولوجية وإقليمية لا علاقة لها بمصالح المواطنين الذين يدفعون الثمن وحدهم.

إن الأوطان لا تُبنى بإطالة الحروب، ولا تُحمى بتحويل شعبها إلى وقود دائم للصراع. وكل تجربة في التاريخ أثبتت أن القادة الذين راهنوا على الحرب المفتوحة خسروا في النهاية، لأن الزمن لا يقف إلى جانب أحد، ولأن الشعوب المنهكة لا تنسى من أطال عذابها.

قد ينجح السلاح في فرض الوقائع لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع أن يمنح الشرعية لمعاناة بلا نهاية، ولا أن يقنع شعباً بأن الخراب قدر محتوم، ولا أن يجعل الأمهات يقبلن فكرة أن أبناءهن يجب أن يعيشوا ويموتوا داخل حرب لا أفق لها.

إن السودان أكبر من الجنرالات وأبقى من الحكومات وأوسع من المشاريع الأيديولوجية كلها. وما يحتاجه اليوم ليس المزيد من الوعود بالحسم، بل شجاعة الاعتراف بأن استمرار الحرب لم يعد انتصاراً لأحد، وأن أكبر هزيمة يمكن أن تقع هي أن يتحول الوطن نفسه إلى ساحة مفتوحة للموت.

سيأتي يوم تنتهي فيه هذه الحرب، كما انتهت كل الحروب قبلها. وعندما يكتب التاريخ فصول هذه المأساة لن يتذكر من رفع الشعارات الأعلى صوتاً، بل سيتذكر من أصر على إطالة النزيف بينما كان الشعب يصرخ طلباً للحياة.

وعندها سيبقى السؤال معلقاً في وجه كل من دعا إلى استمرار القتال:

إذا كنتم لن تعيشوا مائة عام… فلماذا أردتم للسودان أن يدفع ثمنها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!