رأي

الوساطات الدولية بين الأمل والعراقيل: السودان على مفترق الهدنة والسلام

إيمان التجاني

 

إيمان التجاني 

في خضمّ الصراع المستمر في السودان، تبرز الأخبار الأخيرة من واشنطن كوميض أمل وسط عتمة الحرب، تؤكد أن الطريق إلى السلام ما زال ممكنًا متى ما توفرت الإرادة والصدق السياسي. فقد أعلن مسعد بولس، المسؤول عن ملف السودان في الرباعية الدولية، أن المفاوضات غير المباشرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع أحرزت تقدمًا ملموسًا، وأن ورقة هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر قد قُدّمت للطرفين، وحظيت بترحيب واضح، مع استمرار التواصل المنتظم منذ نحو أربعة أشهر.

يأتي هذا الإعلان ليكسر موجة التضليل التي سعت بعض الأطراف إلى ترسيخها في المشهد السوداني، عبر نفي المفاوضات أو التقليل من شأنها. فمع كل محاولة للنفي، تثبت الحقائق أن جهود الرباعية الدولية، بقيادة الولايات المتحدة، تمضي بثبات نحو تخفيف المعاناة الإنسانية وتهيئة الأجواء للحوار المباشر بين طرفي الصراع.

غير أن هذه الجهود تواجه عراقيل ليست خفية، إذ تواصل مصر لعب دور سلبي من خلال سيطرتها على قرار قيادة الجيش السوداني وتوجيهه بما يخدم مصالحها وامتيازاتها التاريخية. فالقاهرة، كما يبدو من سلوكها السياسي، تتحفظ على أي تفاوض قد يفضي إلى استقرار سياسي حقيقي أو يعزز استقلال القرار الوطني السوداني، مفضلة إبقاء الأزمة في حالة سيولة تُمكّنها من استمرار نفوذها في الملفات الحدودية والمائية والإقليمية.

وأكد مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية في تصريحاته أن الولايات المتحدة تتواصل بشكل دائم مع الطرفين لتخفيف وطأة الحرب على المدنيين، مشددًا على أن الحل في السودان لا يمكن أن يكون عسكريًا، بل عبر التفاوض. كما أشار إلى أن الرئيس ترمب يتابع باهتمام تطورات الأوضاع الإنسانية، ويدفع نحو هدنة شاملة تمهّد لوقف دائم لإطلاق النار.

هذا الموقف يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الأزمة السودانية لم تعد محلية الطابع، بل باتت ساحة صراع لإرادات إقليمية ودولية، تتداخل فيها المصالح والضغوط. وبينما تسعى الرباعية، عبر واشنطن والرياض ولندن وأبوظبي، إلى بناء مسار إنساني وسياسي متوازن، تحاول بعض القوى الإقليمية تعطيله خوفًا من ولادة سودان جديد مستقل القرار والسيادة.

إن الهدنة الإنسانية المقترحة ليست مجرد استراحة من القتال، بل خطوة استراتيجية لإعادة الثقة وفتح مسارات للحوار الوطني الحقيقي. إنها فرصة للسودانيين لإثبات أن إرادة السلام أقوى من الضغوط، وأن السيادة لا تُستعاد بالشعارات بل بالقرارات الشجاعة والمسؤولة.

ختامًا، يظل على السودانيين أنفسهم أن يدركوا أن الرهان على الخارج، مهما كانت نواياه، لا يغني عن وحدة الصف الوطني. فبين الأمل الذي تمثله الرباعية والعراقيل التي تضعها مصر، يبقى مستقبل السودان مرهونًا بقدرته على تحويل الهدنة الإنسانية إلى مشروع وطني جامع يعيد للوطن قراره وكرامته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!