رأي

تحرير الفاشر: سيولد السودان من هامشه المظلوم

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

“حين تضيق الأزمنة، يخرج من رحم المعاناة وطن جديد”

تستيقظ الفاشر اليوم على واقع جديد، واقع لا يُقاس بالخرائط العسكرية أو بالسيطرة على النقاط الاستراتيجية فحسب، بل بالتحولات العميقة في وعي الناس والمجتمع والدولة. المدينة التي ظلت لعقود تعاني من الحصار والإقصاء والإهمال، تحولت إلى رمز للانعتاق، ولحظة فاصلة في مسار السودان الطويل بين الظلم والعدالة، بين المركز والهامش، بين الماضي الثقيل والمستقبل الممكن.

لقد ظلّ الهامش، منذ تأسيس الدولة، يشهد على كل أشكال القهر والتمييز، يعيش ظل السلطة المركزية التي اعتادت أن تُقصي الأطراف وتُهمشها باسم الوطن والوحدة. ولكن اللحظة الراهنة تُظهر أن التاريخ لا يظلّ في صف الظالمين، وأن الشعب حين يقرر أن يستعيد زمام مصيره، فإن كل مفاهيم الهيمنة القديمة تنهار أمام إرادة جديدة، إرادة قادرة على إعادة تعريف الدولة والسيادة.

“إن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع حين تكتمل شروط الوعي بها” 

تحرير الفاشر ليس مجرد حدث عسكري، بل هو إعلان صامت بأن السودان القديم انتهى، وأن عصرًا جديدًا يبدأ فيه التفكير خارج المألوف، بعيدًا عن منطق الورثة والامتيازات، نحو تأسيس عقد اجتماعي جديد يقطع مع جذور الإقصاء والتهميش، ويعيد الاعتبار لكل المكونات الشعبية.

إن هذا التحرير هو بمثابة إعادة تموضع سياسي واستراتيجي، يشير إلى أن المصطلحات القديمة مثل “الأمن القومي” و”الوحدة الوطنية” لم تعد كافية، وأن الدولة التي تُبنى على التضحيات والمساءلة هي الدولة الوحيدة القادرة على البقاء.

لقد كشف هذا التحوّل عن مأزق النخب التي ظلت تدير البلاد من مكاتبها، مبتعدة عن واقع الشعب ومعاناته. فالذين حاولوا تحويل الحرب إلى رمز للفضيلة الوطنية لم يفهموا أن المعركة الحقيقية ليست على الخرائط وحدها، بل على وعي المجتمع ذاته، على قدرته على التمييز بين القوة المدمّرة والقوة البانية، بين خطاب الدعاية والخطاب المسؤول.

 “ليس المهم أن تنتصر في الحرب، بل أن تنتصر في المعنى الذي تصنعه الحرب”

إن الفاشر اليوم ليست مجرد مدينة محررة، بل تجربة اجتماعية وسياسية، تُعيد تعريف معنى المواطنة والعدالة. فالتحرر من الهيمنة القديمة يعني إعادة النظر في كل ما اعتُبر يقينًا: السلطة، العدالة، والحقوق المدنية. إنه درس عملي في أن الدولة ليست ما يرثه المنتصرون، بل ما يُصنع من التضحيات، ومن الإدراك الجماعي لمسؤولية الإنسان تجاه وطنه وأبنائه.

“إن الثورة الحقيقية لا تغيّر السلطة، بل تغيّر الإنسان الذي يغيّر السلطة” نيلسون مانديلا

ومن رحم هذه التجربة يتشكل السودان الجديد، ليس في الخرائط أو البيانات السياسية فحسب، بل في عقل المواطن ووعيه، في الطريقة التي يُمارس بها الحكم، ويُفهم بها مفهوم العدالة الاجتماعية. فالتحرر من الهيمنة القديمة هو تحرير للفكرة نفسها، وهو ميلاد لإطار تنظيمي ومفاهيمي جديد، قادر على مواجهة الاختلالات التاريخية التي رافقت الدولة منذ نشأتها وحتى اليوم.

“الوعي هو السلاح الأقوى ضد الجهل، والحرية الحقيقية هي فهم الحقائق قبل أن تُفرض عليك” 

اليوم، الفاشر ليست نهاية معركة، بل بداية صفحة جديدة من الكتاب السوداني. إنها علامة على أن الدولة يمكن أن تُبنى من الهامش، وأن الاستقرار لا يأتي إلا حين يُعاد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، حين يُعيد الناس صياغة مفهوم السلطة، ليستمدونها من العدالة والمساواة لا من الامتيازات والوراثة التاريخية.

وهكذا، فإن هذا التحرير هو ميلاد السودان من هامشه المظلم، السودان الذي لن يُحكم بعد اليوم بمنطق السيطرة أو الإقصاء، بل بمنطق البناء والمواطنة والمساءلة، ليصبح الوطن الحقيقي لكل أبنائه، دون تمييز، ودون ظلٍّ لهيمنة الماضي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!