
سمية النور دهب
“قد تُولد الحرية من رحم الألم، لكن لا يولد العدل إلا من صدق الضمير.”
في هذه البلاد المبتلاة بالحروب، لا يعود الصباح كما كان.
تستيقظ المدن على رائحة البارود، وتنام على أصوات الشائعات التي تصنعها آلة الكراهية القديمة، بينما يظل الشعب هو الضحية الدائمة، بين جيشٍ فقد بوصلته الأخلاقية، وقوى سياسية تتخذ من الدم وقودًا لخطابها المزدوج.
ما حدث في الفاشر ليس مجرد معركة عسكرية، بل امتحان أخلاقي لوطنٍ أنهكته الأكاذيب.
منذ اندلاع هذه الحرب، لم تتوقف الماكينات الإعلامية للحركة الإسلامية عن بثّ سمومها، محاولةً شيطنة قوات الدعم السريع التي حملت لواء التغيير، وشقّت طريقها في معركة التحرير ضد جيشٍ عقائديٍ صنع من الدين درعًا للقتل، ومن الوطن وسيلةً للتمكين.
نعم، الحرب قاسية، والانتهاكات مرفوضة ومُدانة في أي زمان ومكان، ولكن الحقيقة التي يغفلها كثيرون أن قوات الدعم السريع لم تخض حربًا ضد شعبها، بل ضد من صادروا إرادته لعقود.
ففي الوقت الذي كانت فيه جرافات سلطة بورتسودان تهدم منازل الفقراء في مايو وشرق النيل، مخلفةً طفلين شهيدين تحت الأنقاض، كانت قوات الدعم السريع تفتح الممرات الآمنة للمدنيين في الفاشر وبارا، وتحذر مقاتليها من المساس بالأعيان المدنية.
أي مفارقة هذه؟!
هنا، لا بد من السؤال الذي يهرب منه الجميع:
من الذي أشعل هذه الحرب؟
من الذي رفض كل دعوات السلام؟
من الذي حوّل الجيش إلى أداة بيد الإسلاميين وأحلامهم البائسة في استعادة السلطة؟
الحقيقة المرة أن الحركة الإسلامية لم تكتفِ بتخريب الدولة في الماضي، بل أرادت إحراق ما تبقّى من رمادها اليوم.
هم من قسموا المجتمع على أسس الهوية، وهم من زرعوا الحقد بين القبائل، وهم من جعلوا من “العدو الداخلي” عقيدةً جديدة، يقاتلون بها كل ما هو حر ومختلف.
لكن وسط هذا الليل الطويل، ما زال هناك بصيص من الضوء.
خطاب قادة الدعم السريع في الميدان، تحديدًا الفريق عبد الرحيم دقلو، حمل نبرة مختلفة؛ نبرة المسؤولية لا التشفي، الرحمة لا الثأر، الوطنية لا الغنيمة.
حين قال لمقاتليه: “احموا المدنيين، وصونوا ممتلكاتهم، فالنصر بلا أخلاق هزيمة في جوهره”، كان يُعيد تعريف معنى الشرف العسكري في بلدٍ شوهه الاستبداد باسم الدين.
“لا تبنِ وطنك على جثث الآخرين، بل على وعيك بإنسانيتك.”
في النهاية، ما يجري في السودان اليوم ليس مجرد حربٍ بين جيشٍ ودعم سريع، بل ولادة عسيرة لوطنٍ جديد، وطنٍ يرفض الوصاية، ويستعيد صوته من فم الكذب القديم.
دماء الأبرياء ليست عبثًا، فهي التي سترسم ملامح المستقبل، وإن طال الطريق، فإن الشمس ستشرق من جديد على وطنٍ أكثر عدلاً وحرية.




