
د. فاطمة الزين الغالي – كاليفورنيا
باحثة في قضايا السلام والتحول الديمقراطي
أنا امرأة من دارفور، عشت الحرب بكل تفاصيلها الصغيرة، رأيت البيوت تحترق والأرض تُقهر، وسمعت صرخات الأمهات في الليالي الطويلة وهن يودعن أبناءهن إلى المجهول. صار الحزن جزءًا من ملامحنا، وصار السلام حلمًا بعيد المنال. ومع ذلك، حين استمعت إلى خطاب رئيس المجلس الرئاسي الفريق أول محمد حمدان دقلو “حميدتي” بعد سقوط بارا والفاشر، وجدت في كلماته ما يستحق الإصغاء؛ لم يكن حديث قائد عسكري يحتفل بانتصار، بل بدا صوت إنسان أنهكته الحرب مثلنا جميعًا، ويحاول أن يفتح ثغرة أمل في جدار الألم السوداني.
ما قاله حميدتي عن ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الإنساني واحترام الأسرى والجرحى والمواطنين، منحني شعورًا بأن الضمير لا يزال حيًا في مكان ما. لقد سئمنا لغة القوة، ونحتاج إلى من يتحدث بلغة المسؤولية والرحمة. فإن ترجمت هذه التوجيهات إلى أفعال، فربما نكون أمام بداية جديدة تعيد للسودان وجهه الإنساني الذي شوهته البنادق.
أما قوله إنه لا كبير على القانون، فقد كان الأكثر صدقًا وتأثيرًا في قلبي. دارفور نزفت كثيرًا، لكن نزيفها الأكبر كان من غياب العدالة. إعلان تشكيل لجان للتحقيق العسكري والمدني في الانتهاكات التي صاحبت دخول القوات إلى الفاشر خطوة مهمة إن كُتبت لها الجدية والاستقلالية. فالعدالة ليست رفاهًا سياسيًا، بل هي المدخل الوحيد لشفاء جراح الوطن. لا أحد يريد الانتقام، ولكننا جميعًا نريد أن نرى الجاني يُحاسب، أياً كان موقعه، وأن نُصدق أخيرًا أن الدولة السودانية يمكن أن تكون دولة قانون لا دولة عصبيات.
في حديثه عن الإغاثة، شعرت أن هناك التفاتًا صادقًا إلى الإنسان بعد سنوات من التجاهل. دعوته لتضافر الجهود الإقليمية والدولية لإغاثة سكان دارفور وكردفان، وتوجيهه لنزع الألغام وتهيئة الطرق لعودة النازحين، تحمل ملامح تحول في الفكر السياسي والعسكري، من منطق السيطرة إلى منطق الإعمار والعودة إلى الحياة. كم تمنيت وأنا أستمع إليه أن يتحول هذا الحديث إلى خطة واقعية، لأننا لا نريد وعودًا جديدة، بل واقعًا يعيد إلينا ما فقدناه من ثقة وأمان.
حديثه عن إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة، وبناء جيش وطني بعقيدة مهنية خاضعة للقيادة المدنية، يلامس جوهر أزمة السودان منذ الاستقلال. فكل حروبنا وصراعاتنا كانت نتيجة خلل في العلاقة بين السلاح والسلطة، بين الجيش والشعب. إذا كان هذا التوجه حقيقيًا، فربما نكون على أعتاب ميلاد دولة جديدة، تُحترم فيها المواطنة، ويُحتكم فيها إلى القانون لا إلى القوة.
لكن، وأنا أكتب كإمرأة دارفورية ذاقت مرارة النزوح والفقد، أعرف أن الخطابات مهما كانت صادقة لا تكفي وحدها. ما نحتاجه اليوم هو الإرادة السياسية لترجمة الأقوال إلى أفعال. نريد أن نرى لجان التحقيق تعمل علنًا، وأن تصل المساعدات إلى مخيمات النزوح دون وسطاء أو تمييز، وأن تجلس الأطراف جميعًا حول مائدة وطنية واحدة لتقول للسودان والعالم: لقد تعبنا من الحرب، وحان وقت أن نحيا بكرامة.
هذا النداء ليس موجهاً لقائد واحد، بل لكل من يملك سلطة أو صوتًا في هذه البلاد. أوقفوا الحرب، وأعيدوا للسودان حقه في الحياة. حولوا الخطاب الأخير إلى خطة عمل وطنية حقيقية لبناء وطن لا يُظلم فيه أحد. نريد سودانًا يُبنى بالثقة لا بالخوف، وبالمواطنة لا بالولاءات، وبالعدل لا بالانتقام.
لقد أنهكتنا البنادق، وأرهقنا الحداد، لكننا ما زلنا نؤمن أن من بين رماد دارفور يمكن أن يولد سلام جديد، سلام تكتبه النساء اللواتي دفعن أثمانًا باهظة، لا بالبكاء على الأطلال، بل بالإصرار على أن يكون هذا الوطن جديرًا بنا وبأجيالنا القادمة.
إنه نداء من امرأة دارفورية، لا تبحث عن انتصار، بل عن وطنٍ آمنٍ تسكنه العدالة ويظله السلام.




