
نجم الدين دريسة
في السودان اليوم، لم تعد الكارثة في الدماء التي تُسفك وحدها، بل في تبريرها وفي ازدواجية المعايير التي تحكم المواقف والضمائر. صار القتل وجهة نظر، وصار الضحية متهماً، والجلاد بطلاً تتغنى له المنابر الإعلامية وتصفق له الجماهير المضللة.
الظلم لا يُبقي أمة، وإن زُيِّن بألف راية من الوطنية الكاذبة. الصور التي تحفظها الذاكرة لضحايا دارفور وكردفان، والبيوت التي سويت بالأرض، لم تُثر أي محاسبة. فالقتلة يملكون المنابر وحق تعريف الوطنية، بينما يُترك الضحايا دون صوت، بينما يُحظر على الهامش أن يطالب بالعدالة.
الصمت أمام المجازر أصبح جريمة بحد ذاته. حين كانت الطائرات والقصف يطال القرى بحجة محاربة التمرد، كان الإعلام الرسمي يصور القتل بطولات، والضحايا أرقامًا في دفاتر الحرب. المشهد كان احتفالًا بالقهر، وفرحة بالجريمة، بينما يُعامل الضحايا على أنهم مجرد أطراف تُحسب على خطأ الانتماء الجغرافي أو القبلي.
العنصرية ليست لون بشرة، بل لون في القلب يُطفئ نور العدالة. الإعلام حول الجرائم إلى بطولات، والدماء إلى رموز فخر، وصارت كل جريمة تُرتكب ضد شعوب الهامش مبررة تحت شعار “حماية الوطن”. هذا الانحطاط الأخلاقي لم يكن صدفة، بل امتدادًا لبنية سياسية تعتبر المركز كل شيء، والهامش بلا حق في الحياة الكريمة. دولة قامت على هذا الهرم المقلوب لا يمكن أن تلد عدالة، بل تلد نظامًا استبداديًا يظن أن القهر طريق للحفاظ على السلطة والثروة.
قوات الدعم السريع، التي تحمل على عاتقها حماية المدنيين، غالبًا ما تصطدم بسياسات مركزية خانقة، حيث تمارس الدولة المركزية فسادها واستبدادها بلا حسيب أو رقيب. هذه الدولة القابضة على كل مفاصل السلطة والاقتصاد، لا تعرف سوى الاستبداد والسيطرة على الموارد، وتجعل المواطنين في الهامش يعيشون على أطلال وطنٍ لا يمثلهم.
الوعي حين يولد في بيئة القهر يكون أقوى من الرصاص. شعوب الهامش بدأت تدرك أن الدولة التي تستنزف مواردها وتحتقرها ليست وطنًا، وأن الوطنية المبنية على الدم والسلطة القابضة مجرد عبودية مزخرفة بالشعارات. هذا الوعي هو الخطر الحقيقي على منظومة الفساد والاستبداد، لأنه لا يُهزم بالسلاح، ولا يُخمد بالتهديد، بل بالفكر والمعرفة.
من رحم الألم يولد الأمل، ومن عمق الهزيمة تبدأ الثورة. الشعوب التي تُسحق اليوم ستكتب غدًا روايتها الخاصة، ولن تسمح أن يُعاد تعريفها بأقلام الفاسدين والمستبدين. كل ادعاءات الطهارة الوطنية سقطت، وبقيت الحقيقة واضحة: من يدّعي الدفاع عن الوطن هو ذاته من اغتال الحرية ونهب الثروات.
قد يطول ليل الظلم، لكنه لا يستطيع أن يمنع شروق الفجر. الزمن كفيل بأن يعيد الميزان، ويظهر أن البطولة الحقيقية ليست في القتل أو القمع، بل في مقاومة القتل والدفاع عن الإنسان. الشهداء سيبقون في الوجدان، والفساد والاستبداد إلى مزبلة التاريخ التي لا تُفرّق بين ظالم ومزيف.
اليوم، لم تعد المعركة مجرد مواجهة على الأرض، بل صراع بين منظومة مركزية قابضة وخانقة، ترى في كل مواطن من الهامش تهديدًا لسلطتها، وبين شعوب تسعى لإعادة تعريف الدولة بمعناها الإنساني. السودان الذي نحلم به ليس سودان المركز القوي والهامش المقموع، بل وطنٌ يتسع للجميع بلا دماء، وطنٌ يقدّس الإنسان قبل الأرض، ويؤمن بأن العدالة وحدها هي الركيزة التي يُبنى عليها المستقبل.




