
سمية النور دهب
“الكرامة لا تُختبر في الانتصار، بل في الطريقة التي تعامل بها خصمك حين يسقط.”
في زمنٍ غابت فيه القيم الإنسانية بين الدخان والدمار، برزت قوات الدعم السريع كمثال حي على أن النصر الحقيقي لا يقاس بالمدن التي تُسقط، بل بالضمير الذي يُحافظ على حياة وكرامة البشر. المشاهد الأخيرة في السودان أكدت أن هذا الجيش الجديد يمتلك القدرة على المزج بين القوة والانضباط العسكري والرحمة الإنسانية، حيث تم إطلاق سراح المئات من الأسرى دون أي انتهاك لحقوقهم، في وقت كان فيه الإعلام المعادي يحاول تصويرهم بوجه شيطاني.
اللحظة الأكثر تأثيراً كانت رؤية الجنود والأسرى معاً، دموع الفرح والامتنان تزين عيون الجميع. هذا الموقف لم يكن مجرد بروباغندا، بل درس عملي في قيم العدالة والإنسانية. وهو يمثل الرسالة الأساسية التي أراد قائد التأسيس، الفريق أول محمد حمدان دقلو، إيصالها للشعب السوداني: أن الانتصار الحقيقي يبدأ بالضمير قبل الرصاصة، وبالعدل قبل القوة.
خطاب رئيس المجلس الرئاسي الأخير جاء ليؤكد هذه المبادئ، حين أعلن تشكيل لجنة تحقيق لتقصي الحقائق بشأن الأحداث في الفاشر. هذه المبادرة ترسل رسالة واضحة: العدالة لا تُستثني أحداً، حتى في خضم الحرب، وأن أي تجاوز سيحاسب عليه الجميع، دون تمييز أو محاباة.
“من لم يتهذب بالنصر، تهشّم بالسلطة.”
على النقيض، ظل الجيش الموروث من الحقبة الاستعمارية يمارس القتل والانتقام، يهمل كرامة الإنسان، ويعجز عن حماية المدنيين أو الأسرى. التاريخ يؤكد أن هذا الجيش لم يتغير منذ اتفاقية السلام الشامل عام 2005، حين لم يسلم أي أسير للحركة الشعبية، بينما سلمت الحركة أكثر من ألفي أسير كانوا تحت قبضتها. هذا الفارق يوضح بجلاء الحاجة الملحة لإعادة تأسيس الجيش على قيم العدالة والمواطنة.
إن السودان اليوم بحاجة إلى جيش يلتزم بالقانون الدولي الإنساني، يوازن بين الانضباط العسكري والرحمة الإنسانية، يحمي كل المواطنين دون استثناء، ويعمل من أجل بناء دولة مؤسسات حقيقية تقوم على العدالة والمساواة.
إن الإنسانية والعدالة ليستا خياراً، بل أساس أي قوة حقيقية ومستدامة. عندما يتجسد النصر الأخلاقي على أرض الواقع، يُصبح المجتمع أكثر استعداداً للسلام والاستقرار والتنمية، ويُغلق الطريق أمام الفوضى والفساد والانتهاكات.
تاريخ السودان الجديد يحتاج إلى جيشٍ يقاتل من أجل القيم، لا من أجل الانتقام، ويصنع السلام قبل الانتصار العسكري. وعندما تنتصر الإنسانية في ميدان الحرب، يكون النصر حقاً دائماً ومستداماً، يُسطر صفحات جديدة مشرقة في سجل الوطن.




