
مها الهادي طبيق
في زمن الأزمات الكبرى ، يتحول الأعلام إلى فاعلٍ أساسي في تشكيل الوعي الجمعي وصناعة الاتجاهات . في مثل هذه اللحظات الفاصلة ، تتحدد قيمة الإعلامي بقدرته على حماية الحقيقة وصون الضمير المهني من الانزلاق إلى الدعاية أو التحريض .
يجب أن ننظر إلي الإعلام كجبهة لأن الحرب لا تُدار فقط في الميدان العسكري ، وإنما في ميدان السرد والسيطرة على الوعي العام . في هذا الميدان ، يصبح الصحفي وصانع المحتوى جزءًا من منظومة الأمن المعنوي للمجتمع ؛ فالكلمة يمكن أن تبني الثقة أو تهدمها ، وتفتح أفقًا للحوار أو تُغلق كل نوافذ الأمل .
إن تحويل الإعلام إلى جبهة وعي يعني أن تكون كل مادة إعلامية – تقريرًا أو منشورًا أو فيديو – يجب في المقام الأول أن تكون أداة تماسك وشفافية ، بعيدا عن التعبئة العمياء أو الاستقطاب سياسي . ينبغي للاعلام المهني أن يكون وسيلة في مواجهة الفوضى المعلوماتية خاصة وسط التضخم الهائل في المنصات الرقمية وتعدد الجهات الفاعلة ، فأصبح التحقق من المعلومة خط الدفاع الأول للمهنية . فالصحفي المحترف لا يكتفي بالنقل ، ولكن عليه أن يُدقّق ، ويوازن ، ويضع الحدث في سياقه .
أما صانع المحتوى ، فعليه أن يدرك أن كل منشور أو تغريدة غير موثقة قد تُشعل نزاعًا أو تُغذي الكراهية . لذلك إن المسؤولية الرقمية اليوم لا تقل أهمية عن المسؤولية التحريرية . أيضا يجب أن تظل أخلاقيات المهنة فوق الاصطفافات لأن الانحياز المهني لا يعني الحياد البارد ، ولكن الانحياز إلى الإنسان والعدالة والكرامة والقيم الوطنية يجب أن يكون الهدف السامي . فلا شرعية لأي إعلام يُبرر الدم ، أو يُشرعن العنف ، أو يختزل الوطن في طرفٍ واحد .
المهنية الحقيقية تكمن في احترام الضحايا ، وتقديم الحقائق بلغة مسؤولة تحفظ للنسيج الاجتماعي تماسكه رغم الخلافات . السودان اليوم أحوج ما يكون إلى إعلام وطني مهني مستقل ، يُعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات بلده ، ويُعيد للكلمة مكانتها كأداة بناء .
ولتحقيق ذلك ، لا بد من :
إنشاء منصات تحقق وطنية لمكافحة التضليل الرقمي . وتطوير مهارات الصحفيين وصنّاع المحتوى في التحقق والتحليل وإدارة الخطاب أثناء الأزمات . وإطلاق ميثاق شرف إعلامي وطني يضبط الخطاب ، ويمنع الاستثمار في الانقسام أو التلاعب بالحقائق .
الإعلام في زمن الحرب هي مسؤولية وطنية وأخلاقية .الإعلامي الحقيقي هو من يكتب ليحمي الإنسان وقيمه . وصانع المحتوى المسؤول هو من يجعل من منصته مساحة للنقاش الواعي ، ويبتعد عن ساحة للتحريض أو التضليل . من هنا نوجه رسالة إلي كل الإعلاميين والصحفيين وصنّاعع المحتوى :
أنتم اليوم حرّاس الوعي وخط الدفاع الأخير عن وطنٍ يسعى الجميع لبنائه على أساس الحقيقة ، فالاكاذيب لا تبني وطن ولا يرفع من شأن المجتمع .
مها الهادي طبيق
31 اكتوبر 2025
mahatebig@gmail.com



