رأي

✨ من كمبالا إلى الفاشر… سقوط رواية الكذب وولادة الوعي الجديد

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب

الحقيقة لا تُهزم، فقط تنتظر اللحظة التي يُسمع فيها صوتها.”

في قلب العاصمة الأوغندية كمبالا، جرت مسيرة باهتة نظّمها بعض الموالين لحكومة البرهان الانقلابية وعدد من المنتسبين لحركات الكفاح المسلح، بدعوى الوقوف مع أهل الفاشر. لكن خلف اللافتات الرنانة والعبارات المزيفة، كان المشهد هشًا وفارغًا من المضمون؛ مجرد ترديدٍ لأحاديثٍ كاذبةٍ فقدت قدرتها على الإقناع منذ زمن بعيد.

أما في الفاشر نفسها، فكانت الحقيقة تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا. فالأرض هناك لم تعد تصدّق بيانات الوهم، ولا الشعارات التي تبرر الحرب باسم الوطنية. فكلّ الدلائل والحقائق الماثلة تؤكد أن جيش الحركة الإسلاموية وبعض حركات الارتزاق هم من حولوا المدينة إلى رهينةٍ للدم والدمار، واتخذوا المدنيين دروعًا بشرية، والمستشفيات والمدارس مواقع عسكرية.

لقد انكشفت الرواية المزيفة التي ظلت تبثها آلة إعلامية ضخمة سعت إلى شيطنة قوات الدعم السريع، وإخفاء جرائم الجيش المختطف من جماعات الهوس الديني. لكن الصور التي نقلها الشهود وأبناء المدينة كانت أقوى من كل دعاية. فقد رأى العالم بأم عينيه كيف كانت قوات الدعم السريع تقدم المساعدات الإنسانية للمدنيين والأسرى، وتوفر الغذاء والدواء وتؤمّن الممرات الآمنة.

لقد أدرك أهل الفاشر أن ما يسمعونه في نشرات الأخبار كان نصف حقيقة، وأن النصف الآخر ظلّ محجوبًا خلف ستار الدعاية السوداء. حين سقطت الأكاذيب، برزت الحقيقة ناصعة: أن الحرب لم تكن من أجل حماية الوطن، بل من أجل إعادة جماعة الإسلام السياسي إلى سدة الحكم عبر الدمار والفوضى.

لم يعد وعي الناس كما كان؛ فالمشهد في الفاشر غيّر الموازين. تحررت المدينة من قبضة الخداع الإعلامي، وأصبح صوت الضحايا هو من يكتب الرواية الجديدة. لم تعد الكلمات المصنوعة في مكاتب الخرطوم أو القاهرة أو كمبالا قادرة على طمس الوقائع التي نطقت بها الصور والمشاهد الحية.

اليوم، لا يحتاج السودانيون إلى من يخبرهم من هو العدو ومن هو الصديق. فقد علّمتهم الحرب أن الحقيقة لا تسكن في بيانات المتحدثين العسكريين، بل في عيون الأمهات، وفي شهادات الأطفال الذين عاشوا تحت النار، وفي نبض المدن التي قاومت الأكاذيب بالوعي والصبر.

من كمبالا إلى الفاشر، تهاوت الرواية القديمة التي حاولت تزييف الوعي، وولدت رواية جديدة كتبها الناس بدمائهم ووعيهم الجمعي. إنها لحظة سقوط الكذب، ولحظة انتصار الحقيقة التي تأخرت طويلًا، لكنها أخيرًا وجدت من ينطق باسمها.

حين تصحو الحقيقة، تنام الدعاية، ولو بعد حين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!