رأي

مواقف ودلالات من زيارة وفد الحكومة المدنية إلى محليات جنوب دارفور

عبد الناصر حمزة

 

عبدالناصر حمزة

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس السياسة بالبيانات ولا بالشعارات، بل بقدرتها على الوصول إلى الناس في أماكنهم، والاستماع إليهم في تفاصيل حياتهم اليومية. من هذا المنظور، جاءت زيارة وفد الحكومة المدنية إلى محليات ولاية جنوب دارفور خلال الأسبوعين الماضيين، بوصفها خطوة ذات دلالة سياسية واجتماعية عميقة، تتجاوز بعدها البروتوكولي إلى اختبار حقيقي لمعنى “الحكم القريب من المواطن” في زمن الحرب والانهيار.

قاد الوفد رئيس الإدارة المدنية بالولاية، برفقة أعضاء حكومته من مختلف الأجهزة والمؤسسات، واضعًا على رأس أولوياته الوقوف على مشكلات الموسم الزراعي، والتبشير بحكومة السلام، وتفقد أحوال المواطنين والاستماع المباشر لهمومهم. بدأت الزيارة في صبيحة الثاني من ديسمبر، وكانت محطتها الأولى محلية قريضة، أو “قريضة أم ضل” كما يحلو لأهلها تسميتها، والتي تبعد نحو 75 كيلومترًا جنوب مدينة نيالا.

في قريضة، كان الاستقبال لافتًا في حجمه ورمزيته. جماهير المحلية خرجت عن بكرة أبيها، يتقدمهم الملك عادل حسن يعقوب، ملك قريضة ورئيس المجلس التأسيسي المدني الولائي. الهتافات التي صدحت بها الحناجر لم تكن مجرد ترحيب، بل إعلان موقف سياسي واضح، يعكس آمال الناس في مشروع تأسيسي جديد، يضع حدًا لعقود من التهميش والحرب.

من قريضة، اتجه الوفد إلى محلية السُنطة مرورًا بجوقانة الزرقاء. هناك، بدا المشهد أكثر تنظيمًا وثراءً في دلالاته الثقافية؛ عروض للفلكلور الشعبي، ومظاهر للتراث المحلي، وتفاؤل كبير بميلاد “السودان الجديد”. كان الاحتفال في السُنطة رسالة بليغة مفادها أن هذه المجتمعات، رغم ما عانته، ما زالت قادرة على الفرح والأمل حين تشعر بأن الدولة تقترب منها لا تتعالى عليها.

عند الواحدة ظهرًا، كانت الوجهة إلى برام الكلكة، هذه المحلية التاريخية المعروفة بمنهل العلم والعلماء. استقبل أهلها الوفد استقبالًا جماعيًا يعكس كرمهم وتماسكهم الاجتماعي. ومن هناك، تحرك الوفد إلى الوحدة الإدارية النضيف، حيث كان مشهد الفرسان على ظهور الخيل والجمال تعبيرًا رمزيًا عن العزة والارتباط بالأرض. ورغم صغر هذه الوحدة، إلا أنها قدمت تضحيات جسيمة، ودفع شبابها ثمنًا غاليًا في سبيل هذه القضية الوطنية.

تواصلت الرحلة إلى محلية ود هجام، وعلى امتداد الطريق كان الأطفال والنساء والشيوخ يلوّحون ويحتفلون بقدوم وفد الحكومة، في مشهد إنساني مؤثر يعكس تعطش هذه المناطق للاهتمام الرسمي. بعد المبيت، توجّه الوفد صباح اليوم التالي إلى منطقة سنقو، حيث لمس الجميع تناغمًا اجتماعيًا وانسجامًا بين مكونات المنطقة، في صورة تنفي السرديات التي غذّت الصراع لسنوات طويلة.

ومن سنقو، كانت العودة إلى دمسو، التي أقامت احتفالًا سيظل حاضرًا في الذاكرة الجمعية، جرى خلاله تكريم عدد من رموز المجتمع الأهلي وقيادات عسكرية، في إشارة إلى أهمية المصالحة المجتمعية والاعتراف بالأدوار المختلفة في حماية النسيج الاجتماعي. ثم كانت الزيارة إلى محلية تلس الكبرى، أو “تلس الخضراء”، حيث وجد الوفد حفاوة استقبال مماثلة، وفتحت إحدى البيوتات الكبيرة، منزل الناظر محمد الفاتح، أبوابه لاستضافة الوفد، في تقليد دارفوري أصيل يعكس قيم الكرم والتكافل.

غير أن ختام الزيارة جاء مأساويًا في محلية كتيلا، حين أقدمت أيادي الغدر على استهداف موقع الاحتفال بالطيران المسيّر، ما أدى إلى استشهاد مواطنين عُزّل، في انتهاك صارخ لحقوق الإنسان، وجريمة جديدة تُضاف إلى سجل العنف الدموي ضد المدنيين. هذا الحدث المؤلم أعاد التذكير بأن طريق السلام ما زال محفوفًا بالمخاطر، وأن المدنيين يظلون الحلقة الأضعف في هذه الحرب.

من خلال هذه الجولة، والاستماع إلى مشكلات كل محلية على حدة، برزت قضية المياه بوصفها الهمّ المشترك والأكثر إلحاحًا. فالعطش، لا الخطاب السياسي، هو ما يطارد حياة الناس يوميًا. كما اتضح بجلاء أن المواطن في هذه المحليات قد سئم الوعود والخطابات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وهو ما يضع على عاتق حكومة “تأسيس” مسؤولية مضاعفة في الصدق، وكسر أنماط التعاطي القديمة، والانتقال من الوعود إلى الأفعال.

ورغم النهاية الحزينة للزيارة، إلا أنها أضافت الكثير من حيث التعرف العميق على هذه المجتمعات، وفتحت نافذة أمل بأن تجد قضاياها آذانًا صاغية في المرحلة القادمة. فالدولة التي يُراد لها أن تُبنى من جديد، لا يمكن أن تقوم إلا على الإصغاء الصادق لمواطنيها، والالتزام بتحويل معاناتهم إلى سياسات، لا إلى شعارات.

والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!