رأي

نعم لإيقاف الحرب… فالوطن لا يحتمل نزفًا آخر

عبد الله عيسي كتر .. صوت البادية

 

 عبد الله عيسى كتر عابد – صوت البادية

الحرب التي تعصف بالسودان اليوم لم تعد سوى جرحٍ مفتوح في جسد الوطن. جرحٌ يتسع كل يوم وينزف من روح المواطن وذاكرة البلاد معًا. لا يمكن لأي ضمير حي أن يتجاهل فظاعة ما يجري، ولا يمكن لأي عاقل أن يدّعي أن استمرار الحرب يمثل حلاً. إنّ إيقافها واجب أخلاقي وإنساني قبل أن يكون سياسيًا، لأنها حرب لا تُبقي ولا تذر، طحنت البشر قبل الحجر، ومزّقت نسيج المجتمع، وهدّمت كل ما تبقى من بنية الدولة ومؤسساتها.

هذه الحرب استنفدت أغراضها، وأحرقت أوراق من أشعلوها. منذ بدايتها كان الموقف واضحًا وصريحًا: نعم لإيقاف الحرب، لأنّها حرب عبثية تُدار بأجندات خارجية وكفلاء دوليين لا يريدون للسودان أن ينهض من رماده. قلناها في أيامها الأولى: لن ينتصر فيها أحد، ولن يُهزم فيها إلا الوطن نفسه. يومها كان الفلول يروجون أنهم سيحسمون المعركة خلال 72 ساعة، لكنّا قلناها بثقة: لن يحدث ذلك حتى “يلج الجمل في سمّ الخياط”. وها نحن اليوم نرى النتيجة ماثلة أمامنا – خراب شامل ودماء بلا معنى.

إنّ الدعوة إلى الهدنة ليست ضعفًا ولا تراجعًا، بل شجاعة في مواجهة الحقيقة المرة. لأنّ إيقاف الحرب لا يعني التجميد المؤقت للرصاص، بل يعني فتح الباب أمام مشروع وطني جديد يؤسس لدولة عادلة ومؤسسات فاعلة. الهدنة الحقيقية هي تلك التي تخاطب جذور الأزمة وتعيد بناء الدولة على أسس المواطنة والمساواة، لا على أنقاض الإقصاء والتمييز.

لقد فشل المستعمر في بناء دولة متوازنة، وعجزت الحكومات الوطنية من بعده عن معالجة التشوهات البنيوية التي زرعها. واليوم، لا سبيل لبناء سودان جديد إلا عبر حوار شامل يعيد صياغة العلاقة بين المدني والعسكري، ويضمن ألا تتكرر دورة الدم التي تحكمنا منذ الاستقلال.

غير أن أسئلة كثيرة تتزاحم في الذاكرة الوطنية:
لماذا تصرّ مجموعة بورتسودان، وخصوصًا الإسلاميون، على رفض الهدنة ومناهضة جهود السلام؟ هل لأنهم يدركون أن الحرب آخر ما تبقى لهم من أدوات البقاء؟ وهل لديهم القدرة أصلًا على حسم المعركة عسكريًا؟ كل المؤشرات تؤكد أنهم الطرف الأضعف في هذه الحلقة، وأنّ استمرار القتال لا يصب إلا في صالح الخراب لا في صالحهم.

ثمّ، ما هو موقف المجتمع الدولي من أي طرف يعرقل السلام أو يصر على عسكرة الحل؟ وماذا لو قرّر عبد الفتاح البرهان أن يخرج من عباءة الإسلاميين ويتخذ قرارًا وطنيًا مستقلًا بوقف الحرب؟

إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد مصير البلاد، لكن الحقيقة الثابتة تظل أن الحرب لم تعد خيارًا. فالسودان لا يحتاج لمزيد من الدماء، بل إلى لحظة وعي شجاع تعيد إليه إنسانيته ووحدته المفقودة.

نعم لإيقاف الحرب… فالوطن أكبر من كل البنادق وأعظم من كل أوهام النصر.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!