رأي

أردول وصمود و«الاتفاق الشفهي».. السياسة بين الغموض والوصاية

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب

أعاد التصريح الذي أدلى به رئيس الكتلة الديمقراطية، مبارك أردول، بشأن وجود اتفاق شفهي لاستبعاد حزب المؤتمر الوطني وتحالف «تأسيس» من أي ترتيبات سياسية مقبلة، فتح باب الأسئلة حول طبيعة التفاهمات التي تُدار في الكواليس، وحول الجهة التي تملك تفويضًا للحديث باسم القوى المدنية ورسم حدود المشاركة في مستقبل السودان.

أخطر ما في حديث أردول ليس الإعلان عن موقف سياسي فحسب، وإنما الإشارة إلى “اتفاق شفهي” قيل إنه تم التوصل إليه خلال اجتماعات ضمت عددًا من القوى المدنية. والسؤال الذي يفرض نفسه: من هم أطراف هذا الاتفاق؟ وهل كان اتفاقًا حقيقيًا بين جميع المشاركين، أم أنه مجرد قراءة سياسية قدمها طرف واحد؟

إذا كان هذا الاتفاق قد وُجد بالفعل، فمن حق السودانيين أن يعرفوا أين تم، ومن حضره، وما هي بنوده، ولماذا لم يصدر بشأنه بيان رسمي يحمل توقيعات الأطراف المشاركة. أما إذا لم يكن هناك اتفاق موثق، فإن إطلاق مثل هذه التصريحات لا يخدم الشفافية، بل يزيد من حالة الضبابية التي تحيط بالمشهد السياسي.

وتبرز هنا تساؤلات أخرى لا تقل أهمية. فإذا كانت قوى مثل تحالف «صمود» قد شاركت في ذلك التفاهم، فمن حق الرأي العام أن يسمع موقفها بصورة مباشرة. هل تؤيد بالفعل استبعاد «تأسيس»؟ وهل تعتبر أن الإقصاء يمكن أن يكون أساسًا لعملية سياسية جديدة؟ وإذا لم تكن «صمود» جزءًا من ذلك التفاهم، فإنها مطالبة بتوضيح موقفها حتى لا تُحسب عليها تصريحات لم تصدر عنها.

في المقابل، تبدو الكتلة الديمقراطية نفسها في حاجة إلى مراجعة خطابها السياسي. فمن غير المنطقي أن تُقدَّم نفسها باعتبارها الحكم الذي يحدد من يشارك ومن يُستبعد، بينما لا تزال مواقفها السابقة وتحالفاتها السياسية محل نقاش واسع بين القوى السودانية. فالعملية السياسية لا تُدار بمنطق الوصاية، ولا تُبنى على منح شهادات الوطنية أو سحبها من الخصوم.

إن الدعوة إلى استبعاد الآخرين لا تقدم حلولًا للأزمة السودانية، بل تعيد إنتاج الأسلوب نفسه الذي أسهم، عبر عقود، في تعميق الانقسامات. فالسودان يحتاج إلى مشروع سياسي يقوم على المنافسة المفتوحة والشفافية، لا على تفاهمات غير معلنة أو بيانات أحادية الجانب.

كما أن أي حديث عن بناء مرحلة انتقالية جديدة يفقد جزءًا كبيرًا من مصداقيته إذا بدأ بإقصاء قوى سياسية قبل الجلوس إلى طاولة الحوار، أو إذا استند إلى تفاهمات لا يعرف الرأي العام طبيعتها ولا أطرافها.

تبقى الحقيقة السياسية الأهم أن التصريحات، مهما كانت حادة، لا تصنع توافقًا، وأن الاتفاقات التي لا يراها الناس ولا يعرفون أطرافها ستظل محل تساؤل. لذلك فإن الكرة اليوم في ملعب القوى التي قيل إنها شاركت في ذلك التفاهم، لتوضح للرأي العام حقيقة ما جرى، وحدود ما تم الاتفاق عليه، وما إذا كانت تصريحات أردول تعبر عن موقف جماعي أم عن اجتهاد سياسي خاص به.

فالسودانيون لا يحتاجون إلى مزيد من الغموض، بل إلى وضوح كامل في كل ما يتعلق بمستقبل بلادهم، لأن أي عملية سياسية تُبنى على تفاهمات غير معلنة، أو على استبعاد الخصوم قبل الاحتكام إلى الإرادة الشعبية، ستظل مهددة بفقدان الثقة منذ لحظتها الأولى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!