
مؤيد الأمين
كيف يتعامل أطراف الحرب والإعلام مع الانتهاكات في السودان
في بلدٍ أنهكته الصراعات منذ عقود، صار المشهد السوداني اليوم مرآةً قاتمة لانهيار القيم الإنسانية قبل انهيار الدولة نفسها. فالحرب التي اندلعت بين قوات الجيش وقوات الدعم السريع تحولت من صراعٍ سياسي على السلطة إلى حربٍ مفتوحة ضد الإنسان، حربٍ تذوب فيها الحدود بين المقاتل والمدني، وتختفي فيها الفوارق بين الجريمة والخطأ، وبين القاتل والضحية.
ومع كل يومٍ جديد، تتساقط الأخبار عن جرائم اغتصاب ونهب وقتل جماعي وقصفٍ عشوائي، لكنّ أخطر من كل ذلك هو أن كل طرفٍ في هذه الحرب بات يتعامل مع الدم السوداني كأداةٍ إعلامية، يسوّق بها نفسه، ويبرّر بها جرائمه، ويبرع في تلميع صورته عبر حملاتٍ من التضليل والتبرير والتكذيب
*سباق في ارتكاب الجرائم… وسباق في إنكارها*
لم تعد الانتهاكات تُرتكب في الخفاء، بل صارت تُبث مباشرةً للعالم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. يظهر أحدهم على مقطع فيديو متفاخرًا بانتصارٍ عسكري، بينما في الخلفية جثث مدنيين أو بيوتٌ محترقة. ثم يأتي إعلام الطرف الآخر ليعرض الفيديو نفسه في الاتجاه المعاكس، معلنًا: “انظروا إلى جرائم العدو”.
لكن، حين تقع الجريمة من طرفهم، يصمتون، أو يبررونها بأنها “أخطاء فردية”، أو يقولون: “العدو هو من بدأ”، أو “المدنيون كانوا متعاونين مع العدو”، وكأنّ حياة الإنسان يمكن أن تُقاس بمقدار ولائه السياسي أو موقعه الجغرافي.
الجيش يتحدث عن “أخطاء في العمليات العسكرية”، والدعم السريع يتحدث عن “تجاوزات فردية لا تمثل القيادة”. أما الحقيقة، فهي أن كلا الطرفين غرق حتى أذنيه في دماء الأبرياء، وكل طرف يحاول أن يثبت أن الآخر “أكثر إجرامًا”، وكأنّ التنافس على سفك الدماء صار وسيلة لتبرير الذات.
حين يتحول الإعلام إلى سلاحٍ للقتل المعنوي
في أي حرب، تكون الحقيقة أول الضحايا. وفي السودان، أُعدِمَت الحقيقة علنًا على يد الإعلام الموجّه. كل وسيلة إعلامية صارت تُدار من غرفة عملياتٍ تابعة لطرفٍ من أطراف الصراع، وكل خبرٍ يُفبرك ليخدم رواية محددة، لا ليقرّب الناس من الحقيقة، بل ليبعدهم عنها.
الإعلام العسكري يتحدث عن “بطولاتٍ وانتصاراتٍ ساحقة”، ويغض الطرف عن القصف العشوائي الذي يقتل الأطفال والنساء.
وفي المقابل، الإعلام التابع للدعم السريع يصوّر نفسه كـ“حارس الثورة” و“حامي المدنيين”، بينما يلتزم الصمت تجاه الاغتصابات والنهب والتهجير القسري الذي مارسته قواته في دارفور والخرطوم ومدنٍ أخرى.
النتيجة أن الضحايا يُقتلون مرتين: مرة بالسلاح، ومرة بالكذب.
وحين تخرج منظمة حقوقية أو صحفي مستقل ليوثّق الحقيقة، يتم اتهامه بالعمالة.
إن كتب عن جرائم الجيش، قالوا إنه “تابع للدعم السريع”.
وإن وثّق جرائم الدعم السريع، قالوا “هو صوت الكيزان والإخوان”.
وبهذا الشكل، صار ضمير الصحافة السودانية تحت النار، لا من طرفٍ واحد، بل من كل الأطراف.
تبرير الجرائم باسم الوطنية
من أخطر ما أنتجته هذه الحرب هو تشويه مفهوم الوطنية.
صار القتل يُبرَّر بأنه دفاع عن “السيادة”، والاغتصاب يُغضّ عنه الطرف لأنه “حدث في مناطق العدو”، والنهب يُبرَّر بأنه “استرداد للحقوق”.
في الخطاب الإعلامي لكل طرف، تُمسَح كلمة “مدني” من القاموس، وكأن كل من يعيش في مناطق الطرف الآخر هو هدفٌ مشروع.
الجيش يرى نفسه الممثل الشرعي للدولة، ويعتقد أن أي انتقادٍ له هو خيانة.
والدعم السريع يزعم أنه يقاتل من أجل “الحرية والمدنية”، بينما يمارس أبشع أشكال القمع ضد المدنيين في مناطق سيطرته.
وفي هذا التناقض المرير، ضاعت البوصلة الأخلاقية تمامًا، وصار صوت الحرب أعلى من صوت العقل والضمير.
*ازدواجية المعايير في الإعلام الحربي*
الإعلام الموالي لأي طرف من أطراف الحرب لا ينقل الحقيقة، بل يصنعها.
يختار الزاوية التي يريدها، ويقصّ المشاهد التي تُضعف روايته، ويُبرز ما يخدم صورته.
فإذا قصفت طائرةٌ تابعة للجيش سوقًا مليئًا بالمدنيين، يظهر المذيع ليقول: “تم استهداف تجمع للمتمردين”.
وإذا نهب الدعم السريع مستشفى أو اعتدى على النساء، يخرج أحد قادته في بثّ مباشر ليقول: “هذه فبركة من الإعلام المعادي”.
بهذا الشكل، تحولت المآسي إلى مشاهدٍ سياسية، والدماء إلى مادةٍ ترويجية.
والأدهى أن الجمهور صار جزءًا من اللعبة، إذ بات كثيرون يشاركون في نشر الأخبار المفبركة دون تدقيق، بدافع الانتماء أو الانتقام، لا بدافع الحقيقة.
من الضحية إلى الرقم: تلاشي الإنسانية في التقارير
في كل يوم تُنشر تقارير عن “عشرات القتلى” و“مئات الجرحى” و“آلاف النازحين”، لكن خلف هذه الأرقام وجوهٌ لا يراها أحد.
المرأة التي فقدت أبناءها في القصف، والرجل الذي رأى بيته يُنهب أمامه، والطفل الذي لم يعد يجد ماءً أو دواءً — هؤلاء جميعًا صاروا مجرد أرقام في نشرات الأخبار.
الإعلام الحربي لا يتعامل مع الإنسان كقيمة، بل كوسيلة.
يُظهر صور الضحايا حين يخدم ذلك روايته، ويخفيها حين تُدين حلفاءه.
وحين تخرج منظمة حقوقية لتقول “الجانبان ارتكبا جرائم حرب”، تنهال عليها الاتهامات بأنها “تسعى لتبييض صورة العدو”.
في بلدٍ يُقتل فيه الضمير قبل الجسد، أصبحت الحقيقة عملة نادرة، والسكوت على الجريمة هو القاعدة لا الاستثناء.
*الإعلاميون بين المطرقة والسندان*
يعيش الصحفي السوداني اليوم أخطر لحظةٍ في تاريخه.
فهو بين نارين: نار الحقيقة، ونار التخوين.
إن كتب كلمةً صادقة، عُرضةٌ للتهديد أو الاعتقال أو القتل.
وإن صمت، صار شريكًا في الجريمة بصمته.
كثير من الصحفيين والنشطاء اضطروا إلى مغادرة البلاد أو الاختباء، بعد أن وُصموا بالعمالة لطرفٍ ما فقط لأنهم نقلوا انتهاكًا موثّقًا.
بينما الإعلام المموّل من الخارج يواصل نشر الخطابات التحريضية التي تؤجج الكراهية بين السودانيين، وتعمّق الجروح باسم “الوطنية الزائفة”.
الحرب لا تحتاج إلى مزيد من البنادق، بل إلى كلمةٍ شجاعة توقف نزيف الحقيقة.
لكن في هذا المناخ المسموم، كل كلمة شجاعة تُستقبل بالرصاص.
*الإعلام الرقمي… ساحة حربٍ جديدة*
في الحروب الحديثة، لم تعد الجبهات فقط في الميدان، بل انتقلت أيضًا إلى شاشات الهواتف وصفحات التواصل الاجتماعي.
فما يجري في السودان اليوم ليس حربًا تُدار بالرصاص وحده، بل حرب معلوماتٍ وصورٍ وشائعات، يتحكم فيها من يملك أكثر الحسابات والمتابعين، لا من يملك الحقيقة.
تحوّل “فيسبوك” و“تيليجرام” و“إكس” إلى غرف عمليات إعلامية لكل طرفٍ من أطراف الصراع.
فيها تُدار حملات التضليل، وتُنشر مقاطع الفيديو المفبركة، وتُعاد صياغة الجرائم لتصبح بطولات، وتُستغل آلام الناس لكسب التعاطف أو التحريض.
صار النشر الموجّه أكثر فتكًا من القذائف، لانه يقتل الوعي ويزرع الكراهية.
ينتشر في تلك المنصات سيلٌ من الحسابات الوهمية، بعضها مموّل من الخارج، تعمل وفق أجندةٍ واضحة:
إما شيطنة الجيش بالكامل وتبرير جرائم الدعم السريع، أو العكس تمامًا — تبييض صورة الجيش والتقليل من فظائع الدعم السريع.
وبين هذا وذاك، تضيع الحقيقة، ويتحوّل الشعب إلى جمهورٍ مفعولٍ به، يُغذّى بالكذب في كل لحظة.
حتى الصور المروّعة من مناطق القتال لم تسلم من التزييف.
تُستخدم صور قديمة من دولٍ أخرى وتُنشر على أنها من الخرطوم أو الفاشر أو دارفور، لتأجيج الغضب أو لاستدرار العاطفة.
ولأن الناس متعبة وجريحة، لا وقت لديهم للتحقق؛ فيصدقون، وينشرون، وهكذا يتحوّل كل مواطنٍ دون أن يدري إلى جنديٍ في معركة الأكاذيب.
هذا الاستخدام الواسع للإعلام الرقمي لم يرسّخ فقط الانقسام السياسي، بل مزّق النسيج الاجتماعي، إذ صار كل من يختلف في الرأي هدفًا للتخوين والتهديد.
والمؤسف أن منصات التواصل، التي وُلدت لتقريب الناس، أصبحت منابر للكراهية والتحريض، تزرع البغضاء بين أبناء الوطن الواحد.
لقد صار واضحًا أن الحرب الرقمية لا تقل خطرًا عن الحرب الميدانية.
فكما تُدمّر الصواريخ البيوت، تدمر الأكاذيب الثقة بين الناس، وتزرع الشك والخوف بدل الأمل والوعي.
وما لم تُضبط هذه الفوضى الإعلامية، سيبقى الشعب أسيرًا في قبضة الخداع، يظن أنه يرى الحقيقة، بينما هو في الواقع يرى ما يريد له الآخرون أن يراه.
*نحو ضميرٍ وطني جديد*
المطلوب اليوم ليس فقط وقف إطلاق النار، بل وقف الكذب الإعلامي الذي يغذي النار.
يجب أن يكون هناك ميثاق وطني للإعلام الحر، لا يخضع لأي طرفٍ مسلح، يضع الحقيقة فوق السياسة، والإنسان فوق الولاء.
كما يجب على منظمات المجتمع المدني أن تواصل توثيق الجرائم دون خوف أو تحيّز، لأن التوثيق هو السلاح الوحيد ضد النسيان.
يجب أن نواجه الحقيقة مهما كانت مؤلمة:
الجيش ارتكب جرائم، والدعم السريع ارتكب جرائم، والإخوان غذّوا هذه الجرائم بخطاب الكراهية، والإعلام غطّاها أو سوّقها.
لكن الأمل لم يمت، ما دام هناك من يكتب ويكشف ويقول: كفى حربًا، كفى موتًا، كفى أكاذيب.
*خاتمة:*
لا منتصر في حربٍ ضد النفس
في النهاية، لن يربح أحد هذه الحرب.
الجيش لن يعود بطلاً فوق ركام المدن، والدعم السريع لن يحكم شعبًا يكرهه، والإخوان لن يجدوا مكانًا في مستقبلٍ يرفض دمويتهم.
المنتصر الوحيد الآن هو الدمار، والخاسر هو الوطن.
وما لم يتوقف الجميع ليحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبهم التاريخ، ستبقى هذه الحرب وصمة عار في جبين السودان الحديث.
لقد آن الأوان لأن نرفع الصوت عاليًا:
أوقفوا الحرب، أوقفوا الكذب، أوقفوا تبرير الجرائم.
فالسودان لا يحتاج إلى مزيدٍ من الأبطال المزيفين، بل إلى ضميرٍ حيّ يعترف بالحقيقة، مهما كانت مرّة.




