رأي

البلابسة (نازيون الخلا)

حاتم الياس

حاتم الياس 

أمس كنت أقرأ عن المثقفين الألمان، والمفكرين، والكتّاب، والمبدعين الألمان إبان الحقبة النازية، وكيف أن عددًا كبيرًا منهم شاركوا بالتفكير والتنظير والكتابة والدعم لهتلر. وبينهم هنالك آخرون أفلتوا بوعيهم، ومن بينهم مؤسسو مدرسة فرانكفورت.

الحقبة النازية حقبة شديدة الغلو والتطرف، لكن تجد أساسها في صراع الأمم الأوروبية بين بعضها البعض، ولعل ماركس قدم تحليلات مهمة ومستبصرة، رأى فيها تطور الحالة الألمانية التي أوصلتها لأن تخضع — بكل تاريخها وعظمتها وفلاسفتها — لقائد مجنون.

ما توصلت إليه أن الإسلاميين هم أكثر تنظيم لديه قدرات عالية في الاستثمار الدعائي في الجهل، واللعب تحت الإضاءة الخافتة. فطيلة سنوات الإنقاذ، لم تكن هناك مؤسسات معنية بتطوير المعرفة والثقافة أو رعايتها.

مثال على ذلك: عاشت ولايتي — نهر النيل — في حالة تهميش وتجاهل. ولن تجد على طول محلياتها وقراها وحلالها مركزًا ثقافيًا واحدًا، ولن تسمع بفرقة مسرحية أو مجموعات مهتمة بأمر الثقافة والمعرفة. لكن بإمكانك أن تبني في قرية واحدة تتكون من عشرين بيتًا عشرة جوامع، بواقع مسجد لكل خمسة أشخاص!

وهذا لا يعني أبدًا التقليل من دور المسجد الروحي، بقدر ما ننظر لحالة مخاصمة ومعاداة الإسلاميين لكل ما يطوّر الوعي من نواحي الثقافة والمعرفة. لا أعتقد أن هنالك مكتبة عامة في شندي، ولا أبو حمد، ولا بربر، ولا الباوقة، أو العبيدية.

لذا فإن مناخ التجهيل الذي هندسته الإنقاذ كان بمثابة جيش احتياطي ضخم، من السهولة أن يقع ضحية لأي خطاب دعائي، أو أن يصبح جيش صرفه لا جيش أي زول… و”بلابسة”! ماذا تنتظر منهم؟

ما دعاني لكتابة هذا البوست، الذي سقت فيه ولايتي نهر النيل كمثال، وهي أكثر ولاية وظّفتها الإنقاذ كثيمة فلكلورية وأعادت توظيفها مناطقيًا دون أن تستفيد الولاية وإنسانها (الحَبّة) من الكيزان — بمعنى: تم توظيفها في خطاب المباهاة والادعاء، وإسقاطها من حساب الاهتمام والتنمية — هو أن وضعنا الآن كمثقفين يشبه تمامًا وضع النخبة الألمانية مع المآزق النازي.

وفي حالة هذه الحرب، التي رصيدها التعصّب وإعادة توظيف الهُوياتي والقبائلي في صراع (أولاد البحر والغرابة)، كما في التوصيف “التحت تحت” للصراع، فإنك إذا وجدت مثقفين كبارًا وكتّابًا تحزّموا وتلزّموا مع صوت الحرب، فلا تستغرب؛ فهذا مناخ مكرّر في التاريخ، وشهدته دول كثيرة، ولسنا أولها.

ضع أمام نظرك وضع ألمانيا في زمن النازية. وتأكد أن الصراع صراع وعي، وليس حالة حشود وصراخ (وجُعار). وأن مسألة “د. فلان” أو “بروف فلان” أو “المثقف فلان” ليست حاسمة هنا، حين ينحسر الوعي النقدي والعلمي والحياد، وينمسخ تمامًا لحالة (زول الله ساي).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!