رأي

هدنة “ثلاثة أشهر” أم استراحة محارب؟ .. الحرب لا تُهزم بالأناشيد، والسلام لا يُبنى على مكاسب مزعومة

عبدالرحمن أبو رندة.. بنسلفانيا

عبدالرحمن أبو رندة.. بنسلفانيا

في مشهدٍ سياسي ودبلوماسي معقَّد، جاءت أنباء أفادتها مصادر إعلامية بأن قائدي الطرفين الرئيسيين في النزاع السوداني، عبد الفتاح البرهان رئيس أركان جيش السودان، ومحمد حمدان دقلو (حميدتي) قائد قوات الدعم السريع، أبديا موافقة مبدئية على مقترح هدنة إنسانية* لمدة ثلاثة أشهر، تخضع لرقابة دولية. المقترح الذي تقدّمت به دول “الرباعية” – وتشمل مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة – يندرج ضمن الجهود الدولية لإنهاء الأعمال العدائية وفتح الممرات الإغاثية في السودان.

وفقاً للمصادر، فقد تم الاتفاق على “جميع التفاصيل الفنية” الخاصة بالهدنة، إلا أن توقيعها الرسمي لا يزال مرهونا بـ«الإرادة السياسية» من جانب الأطراف السودانية، في ظل طلبهما مهلة إضافية للتشاور مع حلفائهما قبل اتخاذ القرار النهائي. هذا التأخير يعكس الواقع: ليس التوقف عن القتال فقط هو القضية، بل ضمان تنفيذ الاتفاق، والرقابة الدولية، وتحديد طبيعة ما بعد الهدنة: هل الانتقال السياسي سيكون حقيقياً؟ وهل سيُعطى المجال لإصلاحات؟ هذه الأسئلة تظل محورية.

كانت مصر من بين الدول التي تدعم الرباعية، لكنها في الوقت نفسه يُنظر إليها على أنها قد تضع عراقيل: الدعم الجوي للجيش السوداني، الزيارة التي قام بها رئيس هيئة الأركان المصري إلى بورتسودان، وتصريحات عن احتمال تدخّل بري… كل ذلك يُطرح كجزء من موازين القوى الإقليمية. في حين أن الطرف السوداني، خصوصاً الجيش بقيادة البرهان، تُعرَف عنه “مرواغة” في ملف التفاوض مع قوات الدعم السريع، وإنكار التفاوض الرسمي أو التأني في الموافقة النهائيّة. فكيف نقرأ هذا التعقيد؟

إن مواقف مصر يمكن تفسيرها بأنها تحاول تأمين مصالحها – في البحر الأحمر، في حدودها الجنوبية، وفي الحضور الإقليمي – من دون التخلي عن علاقاتها التقليدية مع الجيش السوداني. أما البرهان فيحاول أن “يحفظ” موقعه العسكري والسياسي، ويُبقي ورقة التفاوض في يده، إذ يُدرِك أن خسارة الزخم العسكري قد تضعه في موقف ضعف. وفي المقابل، فإن حميدتي يملك أوراق ضغط أخرى – السيطرة الإقليمية في دارفور، وبناء كيان موازٍ، وضغوط داخلية وإقليمية.

طالما أن الطرفين لم يتوصلا إلى توقيع نهائي، فإن أي إعلان قد يكون مجرد استراحة مؤقتة دون ضمان تنفيذ. الرقابة الدولية، وآليات التنفيذ، وضمانات الفصل بين العمليات العسكرية والمراقبة، كلها بنود لا تزال تثير الخلاف. والمجتمع المدني والشعب السوداني ذاته يُعلق آمالاً كبيرة، لكن يجدر القول إن الاشتباك بين الجماعات الإسلامية المتطرّفة، والمحاولات لتحوّل الحرب إلى حرب أهلية لا تبقى فيها قواعد واضحة، يزيد من احتمال فشل الهدنة.

إذا ما أراد الجميع من هذه الهدنة أكثر من مجرد عنوان إعلامي، فإن “الإرادة السياسية” – كما عبّر كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس – هي المفتاح. الشعب السوداني، من دارفور إلى الخرطوم، يترقّب انتهاء المعاناة، وليس مجرد هدنة تُظلّل فوق المعركة لتُعاد بعدها كما كانت. الحوار المفتوح، المشاركة الحقيقية للمجتمع المدني، التركيز على حماية المدنيين، وقطع الطريق أمام من يريد تحويل النزاع إلى صراع أعمق، كلها عناصر حاسمة. فهل ستكون الثلاثة أشهر عنواناً لبداية سلام، أم مرة أخرى نقطة استراحة مأساوية؟ الوقت وحده كفيل بالإجابة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!