
سليم محمد عبدالله
في زمنٍ تتنازع فيه الرواية مع الواقع، وتتشابك فيه الصور مع الكلمات، برزت حكومة التأسيس بخطابٍ جديدٍ ومقاربةٍ مختلفة؛ إذ لم تنساق وراء ضجيج المنصات، ولم تُغرق نفسها في جدلٍ إعلاميٍ لا طائل منه، بل اختارت أن تجعل من العمل الميداني أبلغَ ردٍّ على الحملات الدعائية التي حاولت النيل من صورتها ومشروعها الوطني.
بينما انشغل البعض بصناعة المشاهد وتوجيه الخطاب من خلف الشاشات، كانت الشاحنات الإنسانية تنطلق من نيالا — عاصمة حكومة التأسيس — في صمتٍ منضبط نحو الفاشر، تحمل الغذاء والماء والدواء والأمل. لم تكن تلك القوافل مجرّد استجابةٍ ظرفيةٍ لأزمةٍ إنسانية، بل كانت إعلانًا عمليًّا عن أن الدولة تُعرَّف بالفعل لا بالبيان، وبالمسؤولية لا بالخطاب.
كانت الحكومة تدرك أن المعركة الإعلامية، وإن اشتدت، لا تُحسم بالتصريحات، بل بالمواقف الميدانية التي تُعيد الثقة بين المواطن ومؤسساته. ولذلك، اختارت طريقًا أصعب وأصدق: العمل الصامت الذي لا يطلب التصفيق، بل يصنع الأثر.
كلّ طريقٍ نحو الفاشر كان بمثابة رسالة سياسية وأخلاقية عميقة: أن الاستقرار لا يُصنع أمام الكاميرات، بل على الأرض. هناك، حيث يلتقي الفعل الإنساني بالإرادة الوطنية، تبلورت ملامح دولة تولد من رماد الحرب، وتعيد صياغة علاقتها بمواطنيها على أسس جديدة من الثقة والكرامة.
رغم الضجيج الإعلامي ومحاولات التشويه، لم تستطع الحملات الدعائية أن تُخفي مشهد القوافل الممتدة، ولا أن تُشوّه صور المتطوعين وهم يعبرون الصعاب لإيصال المساعدات. لقد كشفت الفاشر أن الواقع لا يمكن تزييفه طويلاً، وأن الحقائق الميدانية أقوى من كل العناوين المضللة.
واجهت حكومة التأسيس ما سُمّي بـ “الحرب الدعائية” بذات الصبر الذي واجهت به العواصف العسكرية والاقتصادية: بالثبات والانضباط. لم تدخل في صراع الروايات، بل اكتفت بأن تجعل الميدان يتحدث عنها. وفي تلك المعادلة، كسبت ثقة الناس لأن ما يُرى بالعين أصدق مما يُقال في الشاشات.
الردّ الحقيقي لم يكن بيانًا أو مؤتمرًا صحفيًا، بل حزمة من الأفعال الإنسانية التي قدّمت صورة الدولة كحاضنةٍ لشعبها، لا كسلطةٍ عليه. في الفاشر، استعاد المواطن إحساسه بأن الحكومة ليست جهازًا إداريًا بعيدًا، بل كيانًا يتحرك لحماية الحياة وإغاثة المحتاجين.
ما قامت به حكومة التأسيس لم يكن مجرد برنامج إغاثي أو مبادرة إنسانية، بل ترجمة لفلسفة حكم جديدة ترى أن الدولة ليست فوق المواطن، بل بجانبه. أن السلطة لا تبرر تقصيرها بالظروف، بل تسعى لتجاوزها بالفعل.
هذا النهج أعاد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، ورسّخ مفهوم “الحكومة الراعية” لا “الحكومة الرعوية”، التي تحمي حياة مواطنيها وتصون كرامتهم دون تمييز أو منٍّ. فكل شاحنةٍ تحركت نحو الفاشر كانت بمثابة رسالة بأن كرامة الإنسان السوداني خطٌّ أحمر لا يخضع للمساومة أو المزايدة.
في كثير من الأحيان، يعلو صوت الإعلام حتى يُخيّل للناس أنه الحقيقة، لكن الواقع يبقى صاحب الكلمة الأخيرة. وما حدث في الفاشر كان دليلاً قاطعًا على أن الفرق بين الدعاية والفعل هو الفرق بين الحبر والعرق: فالأول يُكتب، والثاني يُصنع.
لقد اختارت حكومة التأسيس أن تصنع خطابها من العرق، لا من الكلمات، وأن تكتب روايتها على طرقات الميدان، لا على شاشات الاستوديوهات. وبهذا، تجاوزت فخاخ الرواية الموجّهة، لتؤكد أن الحقيقة تُبنى على الأرض، لا تُفبرك في الفضاء الإعلامي.
لم تكن معركة الفاشر مجرد مواجهة بين الجيش والدعم أو بين طرفين سياسيين، بل كانت اختبارًا جديدًا لوعي الشعب السوداني. فبينما حاولت بعض الجهات تحويل الحرب إلى ساحةٍ إعلاميةٍ لتصفية الحسابات، واجهت حكومة التأسيس هذا التحدي بأبسط سلاح: الصدق في الفعل.
حين يرى المواطن دولته إلى جانبه، لا يحتاج إلى من يفسّر له الواقع. يكفيه أن يرى الماء يصل إلى عطشاه، والدواء إلى مريضه، والغذاء إلى جائعٍ في أطراف المدينة. تلك المشاهد كانت أبلغ من كل حملات الترويج المضادة، لأنها أعادت تعريف الوطنية من جديد: أن تخدم دون أن تتحدث، وأن تُصلح دون أن تبرّر.
هكذا، انتصرت الفاشر مرّةً أخرى، لا بالسلاح ولا بالشعارات، بل بالإنسان الذي بقي واقفًا رغم العواصف. انتصرت بحكومةٍ اختارت أن تتحدث بعملها لا ببيانها، وأن تترك للناس الحكم لا للكاميرات.
في زمنٍ تُصاغ فيه الحقائق على المقاس، أثبتت حكومة التأسيس أن الواقع هو الحكم الأعلى، وأن ما يُكتب بعرق الرجال في الميدان، لا تمحوه أقلام الدعاية ولا صخب الشاشات.
ففي الفاشر، تكلمت الأفعال حين صمتت الكلمات، وانتصر الصدق حين انهارت الروايات.




