رأي

الهيمنة المصرية على السودان: الصيحة الأخيرة قبل الابتلاع الفصل الثالث مصر وثورة ديسمبر 2018

دكتور النور حمد

 

دكتور النور حمد 

«لن يستطيع أحدٌ أنْ يركبَ على ظهرِك، ما لمْ تكُنْ منحيًا»  مارتن لوثر كينغ جونيور

منذ أن فشلت خطة حكومة صدقي باشا، ومن بعده الرئيس جمال عبد الناصر في جعل الأحزاب الاتحادية السودانية وكيلاً لخدمة مصالح مصر في السودان، بسبب ما ظهر لهم من تلوُّنِها ومراوغاتها وضعف قدراتها على أداء تلك المهمة، رغمًا عن الولاء الشديد الذي ظلَّت تبديه لمصر، اتجهت الأنظمة المصرية إلى خطةٍ أخرى. وقد تمثَّلت تلك الخطة في عرقلة الديمقراطية في السودان عن طريق صنع الانقلابات العسكرية، أو تقديم الدعم للتي لم تشارك في صنعها. إضافة إلى حث البلدان العربية على دعمها. ظلت الأنظمة المصرية المتعاقبة حريصةً على الدوام على أن تكون الأنظمة في السودان أنظمةً عسكرية. لذلك، كان أفضل الخيارات للأنظمة العسكرية المصرية المتعاقبة أن يحكم السودان جنرالٌ متسلط يجعل سلطة القرار السوداني في يده وحده، ويكون في نفس الوقت معتمدًا عليها في تقديم الدعم السياسي والدبلوماسي له ويصبح خاضعًا لإرادتها. وقد ظلَّت الأنظمة المصرية المتعاقبة تمارس في هذا المنحى مختلف صنوف الابتزاز للجنرالات الذين تعاقبوا على حكم البلاد. حدث هذا مع الفريق إبراهيم عبود، الذي أعانها في ترحيل أهالي حلفا وإغراق الأراضي السودانية، بكل ما حوت مما لا يقدر بثمن. فقد جرى إغراق مدينة حلفا بكل تاريخها. وجرى إغراق العشرات من قراها؛ بنخيلها وزراعتها. كما جرى إغراق آثار تاريخية من التاريخ الكوشي والنوبي لا تقدر بثمن. جرى كل ذلك من أجل أن تشيد مصر السد العالي. كما حدث مع الرئيس جعفر نميري الذي بدأ قوميًا عربيًّا وانتهى بإعلان نفسه خليفة للمسلمين في السودان في عام 1983. واستمر أيضًا نهج الهيمنة والتحكم من على بعد في فترة حكم الرئيس عمر البشير الذي بدأ عدوًا لمصر حين كان هو والدكتور حسن الترابي في مركب واحد. لكن ما لبث أن أبعد البشير الترابي عن السلطة في نهاية التسعينيات من القرن الماضى وسار كسابقيه في طريق الخنوع للإرادة المصرية.

نزعة الترابي في تصدير الثورة إلى العالم الإسلامي، وأحلامه الشاطحة بخلق قوة إسلامية مناطحة للغرب، ورَّطت نظامه في أخطاء فادحة. هذه الأخطاء الفادحة إلى جانب استخفافه بالرئيس عمر البشير ومحاولة جعله مجرد دمية تجلس في الواجهة، باعدت بينهما. الأمر الذي قاد إلى ما سُمي “المفاصلة” التي جرت في نهاية التسعينيات من القرن الماضي وبها جرى إبعاد الترابي من السلطة. وقد صبَّ هذا التباعد بين الحليفين والانقسام الذي نتج عنه وسط تنظيم الإخوان المسلمين، في المحصلة النهائية، في مصلحة النظام المصري. من الأخطاء الفادحة التي ارتكبها نظام الإخوان المسلمين وصبَّت في صالح مصر، محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا في عام 1995. وقد ثبت بالأدلة القاطعة أن نظام البشير في السودان هو الذي دبرها وهو ما أدخل النظام السوداني في نفق العقوبات الدولية المؤذية. وقبل أن يقوم نظام الإخوان المسلمين في السودان بمحاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك، كان قد استضاف الإرهابي أسامة بن لادن. كما شارك في تفجير السفارتين الأمريكيتين في شرق أفريقيا، كما شارك في حادثة الاعتداء بقارب على المدمرة كول على سواحل اليمن. كل هذه الأفعال التي أغضبت العالم وأزعجت الإقليم، منحت مصر فرصةً ذهبيةً لتنخرط في ترويض نظام الإسلامويين في السودان، عن طريق الضغوط ليصبح عجينةً طيعةً في يدها. أصبحت مصر، داعمةً بالصوت العالي للعقوبات على السودان. وقد كسبت مصر من ذلك على صعيدين. الصعيد الأول: ترويض نظام الرئيس عمر البشير ووضعه تحت قبضتها. أما على الصعيد الآخر، تكبيل السودان حتى لا يصبح قوةً اقتصاديةً لها قدرات صناعية. فتحوُّل السودان إلى دولة تصنع منتجاتها سوف يحرم مصر من واحدٍ من أهم أهدافها في تكبيل نموه، وهو أن يبقى السودان مكانًا تأخذ منه مصر المواد الخام لتُقوم هي بتصنيعها وإضفاء القيمة المضافة إليها، وتصديرها لصالحها. وسنقدم ما يثبت ذلك من الشواهد فيما هو مقبل من أجزاء هذا الكتاب. خلاصة القول، عبر تشديد العقوبات على نظامه وتزايد ضغوط العزلة عليه، أدرك الرئيس المخلوع عمر البشير أن مصر هي من يسمع منها المجتمعان؛ الدولي والإقليمي، فيما يتعلق بشؤون السودان. فانتقل من حالة العداء الأولى ونهج المصادمة ومحاولة الاستقلال بالقرار السياسي إلى حالة من الرضوخ والاستسلام التام.

مصر والفريق البرهان

أما السيطرة المصرية على مجريات الأمور في السودان، عبر حاكمٍ عسكريٍّ سوداني، التي ظهرت بعد صعود الفريق عبد الفتاح البرهان إلى دست الحكم في السودان منذ 2019، فقد فاق كل ما حدث في السابق. فمنذ صعوده إلى الحكم، رئيسًا لمجلس السيادة للفترة الانتقالية، وفقًا للوثيقة الدستورية، قام البرهان بإلقاء نفسه بالكليَّة في الحضن المصري. ويبدو أن البرهان قد عرف بالتجربة الطويلة، كضابطٍ قياديٍّ ضمن منظومة الحكم للرئيس عمر البشير، أن مصر تريد، على الدوام، حاكمًا عسكريًا للسودان، وأنها لا تترد قط في دعمه إلى أقصى مدى. بعبارة أخرى، من يستسلم لإرادة مصر ويبدى كامل الاستعداد لتنفيذ أجندتها في السودان يضمن لنفسه أطول مدةٍ في السلطة. وهنا، تطابقت رغبة مصر مع رغبة الفريق البرهان العارمة في أن يصير “حاكمًا” للسودان وفقًا لما حكاه في مقابلة تلفزيونية، حيث قال إن والده أخبره أنه رآه في رؤيا منامية وهو “حاكم للسودان”.

لم يجد الفريق البرهان حرجًا في أن يحكي تلك الرؤيا للناس في أول مقابلةٍ متلفزةٍ له مع قناةٍ فضائيةٍ دوليةٍ، عقب توليه رئاسة مجلس السيادة مباشرة. فعل ذلك، رغم علمه أنه رئيس مؤقت لمجلس السيادة، ليدير ضمن المجلس فترةً انتقاليةً محدودةً وفقًا للوثيقة الدستورية. فمهمته ليست أن “يحكم” وإنما أن يمهد الطريق لقيام انتخابات حرة ينتخب فيها الشعب من يحكمه، ثم يذهب هو إلى الثكنات كقائد للجيش لا أكثر. لكن، أثبتت الأحداث المتسلسلة عبر السنوات الست التي تلت تقلُّده رئاسة مجلس السيادة، أن الفريق البرهان لم تكن له نية أصلاً لتسليم السلطة إلى الشعب رغم توقيعه على الوثيقة الدستورية. وقد تطابقت رغبته العارمة في أن يكون حاكمًا مطلقًا للسودان، هذه مع رغبة تنظيم الإخوان المسلمين في العودة إلى السلطة من جديد. أيضًا، عرف البرهان أن وجود الإسلاميين في صفه في اللحظة الراهنة، على أهميته بالنسبة له، سوف يقف، في لحظةٍ قادمةٍ ما، حائلاً بينه وبين تحقيق حلمه بالانفراد بالسلطة. وهو يعرف أصلاً أن مصر ستقبل مرحليًا دعم الإخوان المسلمين له حتى تثبت قدماه في السلطة وأنها ستطالبه لاحقًا بالتخلص منهم. أما تنظيم الإخوان المسلمين فيبدو أنه يعرف تمامًا نية الفريق البرهان في الانفراد بالسلطة ولذلك هم يتربصون به مثلما يتربص بهم هو، ومن ورائه النظام المصري. كما يعرف تنظيم الإخوان المسلمين أنهم لا طاقة لهم في الظروف الراهنة لمصارعة النظام المصري فاختاروا مصانعته وإبداء الرغبة في التعاون معه. ولا أشك أبدًا أن هذا من جانبهم تكتيكٌ مرحليٌّ، وأن لهم خطةٌ استراتيجية مختلفة تمامًا لن يظهر إطلاقًا ما يشي بها في هذه المرحلة. باختصار شديد، أسند الفريق البرهان ظهره بالكامل إلى مصر. فقد وجد في مصر ضالته، ووجدت مصر فيه ضالتها. ومن هنا، بدأ تعاون مصر والبرهان للقضاء على الثورة السودانية، عبر مختلف التكتيكات. ووقف تنظيم الإخوان المسلمين مع البرهان بصورةٍ مباشرة، ومع النظام المصري بطريقةٍ غير مباشرة مع جهود إجهاض الثورة السودانية ومنع التحول المدني اليمقراطي.

تزايد التعاون الاستخباراتي

منذ أن اعتلى الفريق البرهان رئاسة مجلس السيادة، تكثفت زيارات اللواء عباس كامل، مدير المخابرات المصرية السابق، المعلنة وغير المعلنة، إلى السودان. كما تكررت زيارات الفريق عبد الفتاح البرهان، المعلنة وغير المعلنة، ومعه فريق مخابراته إلى القاهرة. لم يكن يمضي شهر أو شهران، إلا وكان عباس كامل وفريقه الاستخباراتي في الخرطوم. لقد كان التنسيق بين المخابرات المصرية والفريق البرهان وأجهزته الأمنية من أجل إجهاض الثورة، واضحًا وضوح الشمس. وقد كانت هناك محطاتٌ بارزةٌ عكست ذلك التنسيق. ومن أغرب الأمور التي حدثت بعد الثورة، لجوء مدير جهاز المخابرات السودانية في فترة حكم البشير، صلاح قوش، إلى مصر. فرئيس جهاز المخابرات هو حامل أسرار الدولة، لا ينبغي أن يصبح عقب تركه منصبه ضيفًا على دولة أخرى، بل، وبصفة لاجئ. خاصةً أن العلاقة بين مصر والسودان تحكمها الأطماع وتديرها مصر على أساسٍ أمني واستخباراتي بحت.

هذا التهاون الأمني السوداني الذي خلقه نظام الفريق البشير، حدث في سابقةٍ أخرى، لا تقل غرابة. فمدير مكاتب الرئيس المخلوع عمر البشير، طه عثمان الحسين، الذي قام البشير بطرده من منصبه، التقطته المملكة العربية السعودية وعيَّنته مستشارًا لديها للشؤون الإفريقية. وما حدث لصلاح قوش وطه عثمان الحسين يمثل واحدةً من أكبر علامات تحلُّل الدولة السودانية وتآكلها أمنيًّا من الداخل. لكن، لا غرابة، فتنظيم الإخوان المسلمين منذ أن أمسك بالسلطة في السودان في عام 1989 أعمل معاوله في بنية الدولة السودانية، وفي قوانينها وضوابطها، وأدخلها في نهج عشوائيٍّ ارتجاليِّ للإدارة أوصل كل شيء فيها إلى حضيص الحضيض. أيضًا، لجأ إلى مصر واحدٌ من أكبر رموز نظام البشير وهو والي البحر الأحمر السابق، محمد طاهر آيلا. أقام آيلا في مصر لمدة ثلاث سنوات عقب قيام الثورة وعاد قبل إشعال الحرب بثلاثة أسابيع. فقد عاد آيلا يوم 24 مارس 2023، وأشعل تنظيم الإخوان المسلمين الحرب في 15 أبريل 2023. ويبدو أن آيلا قد عاد ليتوج جهوده التي كان يقوم بها في القاهرة مع صلاح قوش مدير المخابرات السابق مع المخابرات المصرية التي نجحت في خنق حكومة عبد الله حمدوك، ثم إطاحتها بالانقلاب الذي جرى في 25 أكتوبر 2021.

لقد تقلد محمد طاهر آيلا ابن ولاية البحر الأحمر منصب الوالي لهذه الولاية لعشر سنوات، امتدت من 2005 إلى 2015. وقد كان على صلةٍ وثيقةٍ بالزعيم القبلي محمد أحمد محمد الأمين تِرِك، الذي كان عضوًا بارزًا معه في تنظيم الإخوان المسلمين، وفي حزب التنظيم المُسمى “المؤتمر الوطني”. لقد عمل الثلاثي صلاح قوش ومحمد طاهر آيلا و محمد أحمد محمد الأمين تِرِك في تنسيقٍ تامٍّ لخنق حكومة حمدوك تمهيدًا لإطاحتها. وقد جرى اختيار موانئ منطقة بورتسودان والطريق البري الرابط بينها وبين عمق البلاد أداةً لهذا الخنق. يُضاف إلى ذلك جرى اختيار هذه المنطقة لما يتفر فيها من تبعيةٍ قبليةٍ عمياء من جانب أفراد قبيلة للزعيم محمد أحمد محمد الأمين ترك. فقد جرى توظيف هؤلاء تحت غطاء مختلف الدعاوى التضليلية لإغلاق الميناء والطريق البري. فتوقف الصادر والوارد وحدثت أزمة في السلع أربكت حكومة عبد الله حمدوك وأظهرتها أمام الشعب بالضعف. وبالفعل، أحدث إغلاق الميناء والطريق البري أزمةً في دقيق القمح وفي نقل البضائع بين الميناء وبقية البلاد، كما ضاعف أسعار السلع، بصورةٍ كبيرةٍ جدًا. وبعد أن اكتمل الخنق وتأزمت الأوضاع المعيشية وجرى إظهار حكومة حمدوك بمظهر الحكومة العاجزة، وإظهار ضعفها عبر حملات إعلاميةٍ ضخمةٍ استخدمت التضليل والكذب لبلبلة الرأي العام، نفَّذ الفريق البرهان انقلابه على الوثيقة الدستورية، وأطاح بحكومة عبد الله حمدوك في 25 أكتوبر 2021.

لقد كان واضحًا لمن يتابعون تصاعد تضييق الخناق على الثورة، وعلى حكومة عبد الله حمدوك، آنذاك، أن مطبخًا للتآمر على الثورة السودانية ظل يقوم بمهمته من القاهرة، بالتنسيق مع الفرق البرهان، وقد ضم هذا المطبخ في مصر كلا من صلاح قوش ومحمد طاهر آيلا. ومن أقوى الأدلة على صنع عسكر مجلس السيادة بقيادة الفريق البرهان أنهم في الوقت الذي كانوا يصوبون فيه الذخيرة الحية على المتظاهرين السلميين من شباب الثورة في الخرطوم، تركوا الناظر ترك يغلق الطريق البري الرابط بين الميناء وبقية أجزاء البلاد ولم يرسلوا إلى هناك أي قوة لايقاف ذلك التعدي بالغ الخطورة على البلاد. أما مصر، فسأتطرق لاحقًا للكيفية التي استفادت بها من إغلاق ميناء بورتسودان.

مصر ومجزرة فض الاعتصام

كان أول تحدي للبرهان ولمصر، الاعتصام الضخم الذي أقامه الثوار على مدى أربعة أشهر أمام مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم. ورغم تصريحات القادة العسكريين بأن الاعتصام لن يجري فضه، شرعت القوى الأمنية في شيطنة الاعتصام بإدخال المخدرات والمتعاطين إليه عبر عناصرها. كما أدخلت فتياتٍ وشبانٍ مكلفين بالقيام بأفعالٍ مخلة بالآداب وتصويرها ونشرها لتستخدمها غرف الثورة المضادة الإلكترونية في تشويه صور الاعتصام والمعتصمين أمام الرأي العام. وبعد واحدةٍ من زيارات البرهان إلى القاهرة وعودته إلى الخرطوم حدثت مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو 2019. وقد كانت استنساخًا لتجربة مجزرة فض اعتصام رابعة العدوية في القاهرة بواسطة قوات الأمن المصرية.

لم يقض فض الاعتصام على جذوة الثورة كما كان منتظرًا منه. وظهرت الثورة أكثر قوةً وزَخْمًا في التظاهرات التي ملأت شوارع الخرطوم، في 30 يونيو 2019. وكان ذلك بعد أربعة أسابيع فقط من مجزرة القيادة العامة. أحنى البرهان وعسكريوه رأسهم، مؤقتًا، لتلك العاصفة. وتوصل الحوار بين قوى الحرية والتغيير إلى إنتاج الوثيقة الدستورية التي بموجبها تشكل مجلس السيادة وتشكَّلت الحكومة الانتقالية التي ترأسها الدكتور عبد الله حمدوك. لكن التكتيكات للقضاء على الثورة، لم تتوقف قط. فقد تضافرت جهود الفريق البرهان، والعسكريين في مجلس السيادة، وحزب الإخوان المسلمين، “المؤتمر الوطني”، الذي ظل رغم حله ممسكًا بكل مفاصل الحكم، في وضع العراقيل أمام حكومة حمدوك. وكان الهدف من ذلك، أن يفقد الشعب الثقة في كفاءتها، ويتهيأ الرأي العام لإطاحتها.

تجفيف السوق وخلق الضوائق 

كان أول ما بدأ به الفريق البرهان وقوى النظام القديم في هذا المخطط، هو تجفيف السوق من السلع الضرورية. فشرعوا في خلق الاختناقات في الوقود؛ من بنزين وجازولين وغاز طهي. كما خلقوا، أيضًا، أزمةً في دقيق الخبز، بل وفي إمدادت الكهرباء والمياه. إلى جانب ذلك، أشعلت الأجهزة الأمنية اضطراباتٍ عرقيةً داميةً في عددٍ من مدن السودان. كما عمدوا إلى خلق سيولةٍ أمنيةٍ غير مسبوقةٍ في العاصمة. وأصبحت ما تسمى عصابات “النيقرز” التي يشرف عليها جهاز الأمن، تنهب الناس في الشوارع، في وضح النهار، تحت التهديد بالسواطير والمُدَي، مع تقاعسٍ مُتَعَمَّدٍ من قِبَل قوات الشرطة عن التدخل.

ميناء العين السخنة بدلاً عن بورتسودان

منذ نوفمير 2020 أخذت المشاكل المفتعلة تحيط بميناء بورتسودان. وقد كان من الممكن حل تلك الإشكالات لولا أنها قد تُركت عمدًا لتتفاقم ويجرى، من ثم، توظيفها سياسيًا. أحدثت مشاكل الميناء تذمرًا كبيرًا في أوساط المصدِّرين والمتورِّدين. وبدأت تظهر اقتراحات بالتحول إلى ميناء مصوع على البحر الأحمر في دولة إريتريا. وهو ميناء يبعد حوالي 500 كيلو متر من وسط السودان. وقيل في تبرير التحول إليه أنه ميناء تعمل به 9 رافعات حديثة، في حين أن ميناء بورتسودان تعمل به 6 رافعات وهي إلى جانب قلتها كثيرة الأعطال. في نفس تلك الفترة، أعلنت جمهورية مصر العربية أنها قد رحبت بطلباتٍ تلقتها من شركات سودانية لفتح الموانئ المصرية لعمليات الاستيراد وتصدير المنتجات السودانية. ومن الغريب، أن تتلقى مصر الطلبات من الشركات السودانية لاستخدام ميناء العين السخنة الذي يبعد من الخرطوم في وسط السودان أكثر من 1600 كيلومترًا، ويبعد من مدينة نيالا في دارفور أكثر من 2500 كيلومترًا. ولا يكون الاختيار لميناء مصوع الذي يبعد 500 كيلو متر من مدينة القضارف في شرق السودان، وحوالي 1700 كيلومترًا من نيالا في دارفور. كما أوردت صحيفة “العربي الجديد”، أن وزراة المالية المصرية قالت إنه تم التوافق مع الجانب السوداني على الإجراءات اللوجستية اللازمة لاستخدام الموانئ المصرية

خاصة مينائيْ العين السخنة والسويس، في تصدير المنتجات السودانية واستيراد احتياجات السودان من العالم . 

الشاهد، عندما قام الزعيم القبلي محمد أحمد محمد الأمين ترك بإغلاق الميناء والطريق البري الرابط بين الميناء وبقية البلاد في سبتمبر 2021، تحولت حركة الصادر والوارد إلى ميناء العين السخنة والسويس في مصر. وهو أمر صب في مصلحة مصر التي أصبحت المنفذ البحري الوحيد لحركة الصادر والوارد السودانية. ولابد من التنبيه هنا إلى أن للأنظمة المصرية المتعاقبة خططٌ مرسومة منذ عقودٌ طويلة، ترمي إلى إلحاق السودان بها بطريقة ناعمة. ترمي هذه الخطط إلى جعل جنوب مصر بالتعاون مع النظام العسكري الشمولي الذي ترتضيه لحكم السودان منطقة صناعية لاستقبال المواد الخام السودانية لتقوم مصر بتصنيعها وإضفاء القيمة المضافة عليها لتزيد بها صادراتها وترفد بها خزينتها بالعملات الصعبة. إلى جانب ذلك عمل كل ما يمكن عمله لخنق ميناء بورتسودان ولتصبح الموانئ المصرية البديل الوحيد المتاح لمرور الصادرات والواردات السودانية.

خلق الحاضنة الشعبية الضرار

الجهود العديدة التي جرى بذلها في محاولات القضاء على ثورة ديسمبر، صاحبها جهدٌ آخر، وهو خلق حاضنةٍ شعبيةٍ ضرارٍ، ليقول عسكريو مجلس السيادة، وقوى النظام القديم، ومن ورائهم جميعًا النظام المصري، إن هناك قوىً مدنيةً أخرى داعمة للثورة. وأن قوى الحرية والتغيير، المجلس المركزي التي كان يُشار إليها اختصارًا عند بداية الثورة بـ(قحت)، لا تمثل الشعب السوداني وأنها ليست هي الجسم الوحيد الممثل للثورة. وما أن اكتملت فكرة هذه الحاضنة الشعبية الضرار، منحها الفريق البرهان وعسكره مبنى قاعة الصداقة في الخرطوم ليعقدوا فيها لقاءهم وليقيموا فيها المؤتمر الصحفي الذي أعلنوا فيه ولادتها. وكان من اللافت جدًا، حضور السفير المصري في الخرطوم حسام عيسى، وقنصل عام جمهورية مصر العربية، المستشار أحمد عدلي تدشين هذه الحاضنة الضرار في قاعة الصداقة في الخرطوم في أوائل نوفمبر 2022 . وأبرز القوى التي ضمتها هذه الحاضنة التي وقف النظام المصري وراءها هي حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، وحركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوى، والحزب الاتحادي الأصل بقيادة جعفر الميرغني. وتضم الحاضنة قوى أخرى أقل وزنًا. هذه الحاضنة المزيفة هي نفسها التي دبَّر لها عسكر المجلس السيادي فرصة الاعتصام أمام القصر الجمهوري وقدم لها كل التسهيلات لتنادي بالانقلاب الذي جرى في 25 أكتوبر 2021. وفي الوقت الذي كانت فيه قوى الأمن تقمع مسيرات المتظاهرين من شباب الثورة بعنفٍ مفرطٍ، وتمنعهم من الوصول إلى القصر الجمهوري، تركت هؤلاء يقيمون اعتصامهم لمدة أسبوع، أمام القصر الجمهوري، تحت حماية قوى الأمن. وكما ذكرنا فقد كان ذلك الاعتصام متزامنًا مع إغلاق الزعيم القبلي محمد الأمين تِرِك ميناء بورتسودان والطريق البري الرابط بينه وبين بقية البلاد. ولم تمر أيام بعد مناداة تلك الحاضنة الضرار بالانقلاب، حتى نفذ الفريق البرهان الانقلاب على حكومة حمدوك، في 25 أكتوبر 2021، وأودع رئيس الوزراء عبد الله حمدوك الحبس المنزلي وأودع قيادات الحرية والتغيير (المجلس المركزي)، السجن. وقد كانت مطالبة تلك الحاضنة الضرار للفريق البرهان للقيام بالإنقلاب، مسرحية أعدها أصلاً عسكر المجلس. وكانت استنساخًا، بصيغة أخرى، لما فعله السيسي مع حكومة مرسي حين قال للشعب المصري: أخرجوا إلى الشوارع وأمنحوني تفويضًا. وبالفعل خرج قطاعٌ من الشعب المصري المنقسم على نفسه بشدة، آنذاك، ومنحه التفويض، فأطاح بحكومة الرئيس محمد مرسي المنتخبة وأودعه السجن، إلى أن مات فيه. ثم ما لبث أن بطش بالإخوان المسلمين بطشًا لم يحدث لهم، ولا في فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر.

انفرد البرهان بالسلطة بانقلابه على الشرعية، لكنه فشل في تشكيل حكومة. فقام بإطلاق سراح الدكتور عبد الله حمدوك الذي رجع ليترأس الوزراة لفترة قصيرة جدًا، ما لبث بعدها أن استقال. قال حمدوك في أول ظهورٍ له عقب إخراجه من الحبس المنزلي، أنه قَبِل العودة بغرض حقن الدماء. وقد قام بالفعل بإبعاد اثنين من قادة الشرطة، هما عز الدين الشيخ وخالد مهدي بسبب تقاعسهما في إلقاء القبض على الذين يمارسون قنص المتظاهرين بالبنادق في الشوارع. لكن رغم ذلك، استمر قنص المتظاهرين، فلم يجد حمدوك في نهاية الأمر بدًّا من أن يستقيل. وهكذا طُويت صفحة الفترة الانتقالية التي نصت عليها الوثيقة الدستورية.

لابد من الإشارة هنا إلى أن عسكر مجلس السيادة قد كانوا يسابقون بمؤامراتهم الزمن وهم يتآمرون على نسف الفترة الانتقالية. فالوثيقة الدستورية قسمت الفترة الانتقالية إلى قسمين: قسم يرأس فيه العسكريون مجلس السيادة. وقد أصر العسكر على رئاسة مجلس السيادة في هذا القسم الأول. وأثبتت التجربة أنهم أصروا على أن يترأسوا مجلس السيادة في القسم الأول من الفترة الانتقالية، لكي يتمكنوا من هلهلة حكومة عبد الله حمدوك وإضعافها وعزلها عن جمهورها، ومن ثم، الانقلاب عليها، قبل أن ياتي موعد رئاسة المدنيين لمجلس السيادة. أيضًا، كانت “لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 واسترداد الأموال العامة”، قد وقفت على فساد تنظيم الإخوان المسلمين في فترة حكمهم، خاصة بعد أن أوشكت اللجنة على فتح ملفات بالغة الحساسية. لذلك، كان لابد من الانقلاب قبل كشف تلك الملفات. وكما جرى بذل جهدٍ كبيرٍ في إضعاف حكومة حمدوك وخلق العراقيل لها وإظهارها بمظهر قلة الكفاءة والفعالية، كذلك جرت حملاتٌ إعلاميةٌ ضخمةٌ لشيطنة لجنة إزالة التمكين واسترداد المال العام، بل واتهامها بتهمٍ ملفقةٍ بممارسة الفساد. وما أن قام البرهان بانقلابه، انخرط مباشرةً في إعادة من جرى إبعادهم من رموز النظام القديم إلى مناصبهم، من جديد. كما أعاد الأموال المنهوبة، التي حجزت عليها لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 واسترداد الأموال العامة، إلى المؤسسات والمنظمات والأفراد التابعين لنظام الرئيس عمر البشير. لقد كان النظام المصري منخرطًا وبقوة ومثابرة في وضع العراقيل مع الفريق البرهان للقضاء على الثورة وعلى قطع الطريق للتحول الديمقراطي في السودان.

مصر ترعى الحاضنة الضرار

اجتهد النظام المصري كثيرًا في دعم هذه الحاضنة الشعبية الزائفة لتشق قوى الثورة وتسيطر من خلالها على مجريات الأمور في السودان، لكي تصب، في النهاية، في خدمة مصالحها. فمصر لا تريد نظامًا ديمقراطيًا في السودان لأن النظام الديمقراطي يتيح الفرصة للصحافة الحرة فرصة مساءلة المسؤولين ومحاسبتهم، خاصةً، في الأمور التي تتعلق بموارد البلاد واستخدامها، إلى جانب الرقابة على مجريات التنمية وحراسة المال العام والحرص على السيادة والكرامة الوطنية. وكل ذلك، في جملته، يسير على العكس تمامًا مما تريده مصر في السودان. لذلك، عندما تحدَّث حمدوك عن ضرورة أن يتجه السودان لإضفاء القيمة المضافة على منتجاته، بدلاً من تصدير المواد الخام والأنعام الحية، أوردت تقارير إعلامية، أن اللواء عباس كامل، مدير المخابرات المصرية، قال للفريق البرهان في زيارة له إلى الخرطوم، جرت قبل الانقلاب على حكومة حمدوك بقليل: إن مصر مستاءة جدًا من حمدوك، وأردف قائلا: “حمدوك لازم يمشي” . وبالفعل “مشى حمدوك”، بأمر المخابرات المصرية. وقد أوردت صحيفة “وول ستريت جورنال” في نفس هذا السياق، أن الفريق البرهان طمأن المُوفد الأميركي إلى القرن الأفريقي، جيفري فيلتمان، بأنه لا ينوي الاستيلاء على السلطة. لكنه ما لبث عقب لقائه بفلتمان أن استقل الطائرة إلى مصر لإجراء محادثات سرية لضمان حصول مؤامرته على دعم مصري وإقليمي. وأضافت الصحيفة أن الفريق عبد الفتاح السيسي، الذي استولى على السلطة في انقلاب عام 2013 بدعم من السعودية والإمارات، طمأن البرهان على سلامة ما ينوى فعله. وتقول الصحيفة إنها حصلت على المعلومة من ثلاثة أشخاص كانوا مطلعين على الاجتماع. وأضافت أن البرهان اعتقل لدى عودته إلى الخرطوم، عشرات المسؤولين الحكوميين، بمن فيهم رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، فاضًّا بذلك اتفاق تقاسم السلطة بين المدنيين والعسكريين الذي أخرج السودان من ثلاثة عقود من العزلة الدولية. أيضًا أقال الفريق البرهان خبير القانون الدولي ورئيس مفوضية الحدود الدكتور معاذ تنقو، السوداني الأكثر إلمامًا بقضية حلايب وشلاتين والمطَّلِع على الوثائق التي تثبت أن حدود السودان الحقيقية تصل إلى منطقة أسوان. وتحوم الشكوك أن إبعاد هذا الخبير قد كان بتأثير من دولة الإمارات المتحدة والسلطات المصرية.

عقدت مصر لتلك الحاضنة الشعبية الضرار، التي تعوِّل عليها في خدمة أهدافها في السودان، مؤتمرين داخل مصر. بل عقدت لها مؤتمراً ثالثًا رضيت قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) الاشتراك فيه، رغم أن مصر هي التي أطاحت مع البرهان بحكومتها. وقد تحايلت ما تسمى الحرية والتغيير (المجلس المركزي)، التي أصبحت لاحقًا جزءًا من تحالف تنسيقية (تقدم) الأكثر اتساعًا من سابقتها (قحت)، عبر الإشتراك بجسمها القديم الأصغر حجمًا، وهو قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) المعروفة بـ (قحت). وقد كانت تلك حيلةً مكشوفةً الغرض منها ألا يُقال أن تنسيقية (تقدم) قد جلست مع الحاضنة الضرار المصنوعة تحت الرعاية المصرية في الأرض المصرية. في حين يعلم الكل أن الحرية والتغيير) المجلس المركزي) هي القوة الوازنة في تنسيقية (تقدم) وأن البارزين من قيادات (تقدم) هم من قيادات (قحت)، وليسوا من القوى التي انضمت إليها. بعد أن أصبحت (تقدم).

إلى جانب الحاضنة الزائفة المصنوعة استقطبت مصر مجموعةً من المثقفين السودانيين، الداعمين للسياسات المصرية في السودان، ليصبحوا صوتًا إضافيًا يجري استخدامه إلى جانب صوت قوى الحرية والتغيير (الكتلة الديمقراطية). ولعل السبب وراء وقوع المبعوث الأمريكي إلى السودان، توم بيريلو في قبضة المخابرات المصرية، وفشله المدوي في مهمته، إنما يعود إلى جره إلى الاستماع بكثرة إلى هؤلاء المثقفين السودانيين المقيمين في مصر، المستقطبين مصريًا. فهؤلاء يختبئون وراء شعار “حوار سوداني سوداني” وهو شعارٌ صحيح إن كان سيقود إلى إبعاد الجيش الإخواني وتنظيم الإخوان المسلمين من السلطة واسترداد ما نهبوه ومحاكمتهم على جرائمهم. ولكن هذا النهج، في حقيقته، يسير نحو إشراك البرهان وتنظيم الإخوان المسلمين في معادلة السلام القادمة. في حين أن أي إشراك لهؤلاء في أي معادلة حكم قائمة يعني بالضرورة العودة إلى المربع الأول، وهو انفرادهم بالسلطة، من جديد. وتكفي تجربة الوثيقة الدستورية التي انقلبوا عليها بعد سنتين من توقيعها. أيضًا، مما أفشل مهمة بيريلو استماعه إلى الحاضنة المزيفة الضرار المتمثلة في الحرية والتغيير (الكتلة الديمقراطية)، وكذلك التأثير المصري الخفي على منبر جدة. ومن أقوى الأدلة على أن المخابرات المصرية قد وضعت المبعوث الأمريكي في جيبها، أنه ظل يهمش تحالف (تقدم) بصورةٍ لافتة. وهو نهجٌ وقف وراءه النظام المصري وكان التبرير لاتباعه أنهم يريدون في البداية إنهاء الصراع المسلح القائم بين قوات الجيش وقوات الدعم السريع. وكأن أصل المشلكة يتمثل حصرًا في هذا الصراع بين الفريقين المتقاتلين، وليس بين تنظيم الإخوان المسلمين وجيشهم والثورة وأهدافها. هذا التشخيصٌ المضلِّلٌ هو الذي جعل جهود المبعوث الأمريكي توم بيريللو تذهب هباء. فقد فشلت جهوده في أن يجر الإخوان المسلمين وجيشهم الناطق باسمهم إلى منطقة وسطى. فقد استخدموا مع توم بيريلو أسلوب المناورات لشراء الزمن وبناء القدرات العسكرية، ثم ما لبثوا أن أعلنوا أن خطتهم هي الاستئصال التام لقوات الدعم السريع. وهكذا استطال أمد الحرب وتفاقمت معاناة السودانيين واتسعت دائرة الدمار وأصبح الإصلاح في وقت قصيرٍ مستحيلًا.

تعامل بيريلو مع تنسيقية (تقدم) وكأنها غير موجودة أصلاً. وهذا هو ما كان يريده المصريون، ويريده الفريق البرهان وتنظيم الإخوان المسلمين الواقف وراءه. وهذا ما حصر الأمر في نطاق أن الصراع في السودان قائمٌ حصرًا بين قوتين عسكريتين، وأنه لا وجود لشيء اسمه الثورة، ولا وجود لشيء اسمه الشعب السوداني. ومما يؤكد هذا ما قالته السيدة سناء حمد للإعلامي بقناة الجزيرة أحمد طه، حين قالت إنهم مأمورون شرعًا بموجب النص القرآني أن يجنحوا للسلم، إذا جنحت له قوات الدعم السريع. وعندما سألها أحمد طه، ما إذا كان هذا الموقف ينطبق أيضًا على تنسيقية (تقدم)، وجمت لفترة، ويبدو أنها لم تكن تتوقع ورود هذا السؤال، ثم قالت: “إذا رضي الشعب”. وهذا يعني أن تصالحهم مع قوات الدعم السريع لا تقتضي رضا الشعب، لكن تصالحهم مع تقدم يقتضي رضا الشعب. وقد شهدنا جميعا كيف أن نبرة العداء وسط قادة الجيش وتنظيم الإخوان المسلمين تجاه (تقدم) ظلت على الدوام أقوى، بما لا يقاس، من نبرة عدائهم تجاه قوات الدعم السريع.

ودعونا نقرأ، في هذا الصدد، وجهة نظر الباحث في الشؤون الاستراتيجية، محمد عباس، حول دور مصر في إنشاء الحاضنة الشعبية الضرار ورعايتها، فيما أدلى به إلى شبكة “عاين” حيث قال: تقف القاهرة وراء تنظيم مؤتمر قوى الحرية والتغيير (الكتلة الديمقراطية)، لضمان السيطرة على السودان في أي تطورٍ سياسيٍّ قادم، بناءً على المفاوضات المتوقعة في منبر جدة. وأضاف قائلاً أيضًا: مصر قد تشارك في منبر جدة، وفي ذات الوقت تريد التحكم في مقاليد الأمور في السودان، لأن الحرب قد تسببت للقاهرة في تعقيداتٍ اقتصاديةٍ هائلةٍ. وعندما يتوقف الصراع المسلح، يريد النظام المصري أن يُحكم سيطرته على الأوضاع في السودان من خلال صنع تحالفات سياسية موالية للجيش السوداني .

لجوء سياسيينا إلى مصر!

في وجهة نظري أن السياسي السوداني المعارض لنظام الحكم في السودان الذي يحتل موقعًا متقدمًا في حزبٍ سياسي سودانيٍّ ما، ثم يختار مصر مكانًا للجوء، وبخاصةٍ في مثل هذه الظروف الحالية التي يظهر فيها حرص مصر الشديد للقضاء على الثورة السودانية، واحدٌ من شخصين، لا ثالث لهما. فهو، إما يكون جاهلاً، جهلاً موبقًا، بتاريخ الهيمنة المصرية على السودان، وتآمر الأنظمة المصرية المتعاقبة على الديمقراطية في السودان، وإما أن يكون متماهٍ تمام التماهي مع أجندة مصر في السودان معتقدًا أن فيها الخير العميم لأهل السودان. فما حدث، بالفعل، عقب اشتعال هذه الحرب أن طائفةً كبيرةً من قيادات قوى الحرية والتغيير، تنسيقية (تقدم)، اختارت أن تلجأ إلى مصر. كما لجأت إلى مصر، أيضًا، مجموعةٌ من المثقفين البارزين غير المنظمين حزبيًّا المنخرطين بقوة في العمل السياسي. وقد درج هؤلاء على تقديم تحليلاتهم ونصائحهم إلى مصر من منصة حيادٍ وطنيٍّ مزعومٍ، كما انخرطوا في الوساطات ومحاولات التقريب بين وجهات النظر. هؤلاء كانت القاهرة بالنسبة لهم مَحَجًّا ومنتجعًا للاستجمام قبل حدوث الثورة. هؤلاء يسهمون في التعقيد بأكثر مما يسهمون في إيجاد حل. فهم لا يملكون قط القدرة على الخروج عن خط النظام المصري، الذي يريد حلولاً تخدم أجندته هو في السودان، غض النظر عن أي ضررٍ يقع على السودان أو على الشعب السوداني.

ظلت مصر تبتز السياسيين السودانيين منذ استقلال السودان في منتصف القرن الماضي. وقد واصلت هذا النهج، بتوسعٍ أكبر حين لجأت إليها مختلف القوى السياسية المعارِضة، عقب وصول تنظيم الإخوان المسلمين إلى السلطة في السودان في عام 1989. وقتها، لجأت ما تسمى القيادة الشرعية للجيش بقيادة اللواء عبد الرحمن سعيد والعميد عبد العزيز خالد والرائد السر العطا إلى مصر. كما لجأت الأحزاب الكبيرة وعلى رأسها الاتحادي الديمقراطي بشقيه؛ الشق الذي يقوده السيد محمد عثمان الميرغني، والآخر الذي يقوده الشريف زين العابدين الهندي. كما لجأ إلى هناك السيد الصادق المهدي وأقام لفترات متقطعة. أيضًا بسبب تضررها من إمساك الإخوان المسلمين بالسلطة في السودان وتهديدهم لأمنها القومي، استضافت الحكومة الإريترية قوى المعارضة السودانية. وما من شكٍّ أن استخبارات أي دولة يلجأ إليها سياسيٌّ كبيرٌ سوف تستثمر لجوءه إليها، بصورةٍ ما أو بقدرٍ من المقادير، خاصة في حالة البلدان المتجاورة متشابكة الصلات والمصالح، كحال مصر والسودان وإريتريا والسودان. لكن، لا تفعل ذلك أي دولةٍ بسفورٍ لافتٍ وبجرأةٍ مثلما تفعل الأنظمة المصرية مع السياسيين السودانيين. والسبب في ذلك رهن الأنظمة المصرية حل مشاكلها باستتباعها للسودان وإلحاقه بها.

من نماذج الابتزاز التي مارسها النظام المصري على قيادات المعارضة السودانية المقيمة حاليًا في مصر، التهديد بالحرمان من العودة إلى مصر في حالة الذهاب في مهمة خارج مصر. والمقصود من هذا هو منع المعارضة السودانية المشتتة في دول القرن الإفريقي من الاجتماع خارج مصر. فالنظام المصري يود أن تكون عينه حاضرة في كل لقاءات قوى المعارضة السودانية. كما إن أكثر ما يسوء مصر هو أن تقيم قوى المعارضة مؤتمراتها أو لقاءاتها في إثيوبيا، التي تناصبها مصر أشد العداء، أو في كينيا أو يوغندا. هذا الابتزاز لا تمارسه السلطات المصرية، بصورةٍ ثابتةٍ، وإنما بالسماح أحيانًا، وجعله عسيرًا ومحاطًا بالمحاذير، أحيانًا أخرى. وقد أثمر هذا الابتزاز الذي تضمن أنماطًا مختلفة من الضغوط، في جعل تنسيقية (تقدم) تعقد واحدًا من مؤتمراتها في مصر بسبب صعوبة خروج أعضائها المقيمين هناك، والمجئ إلى إثيوبيا، كما سبق أن ذكرنا. بل وصل الأمر حد أن تعقد قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) وهي مكوِّنٌ رئيس في تنسيقية (تقدم)، لقاءً في مصر شاركت فيه الحاضنة الضرار التي أسهم النظام المصري في صنعها، وهي الحرية والتغيير (الكتلة الديمقراطية) . وقد حضر هذا اللقاء حليفا الفريق البرهان؛ جبريل إبراهيم ومني أركو مناوي، لكنهما رفضا التوقيع على البيان الختامي. ورغم أن ذلك الرفض يوحي باستقلال قرارهما عما تريده مصر، لكن، ربما جرى منهما ذلك بإيحاء من مصر لإفشال البيان الختامي وتكريس الانقسام وهلهلة (تقدم).

من نماذج الابتزاز المصري

في مقالاتي المتسلسة التي نشرتها قبل خمسة عشر عامًا عن قطب حزب الأمة، السيد، عبد الرحمن علي طه، كنت قد ذكرت الزيارة التي قام بها السيد عبد الرحمن المهدي إلى مصر في النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي لمناقشة البروتوكول الذي عُرف ببروتوكول (صدقي بيفن). وقد ذكر السيد، عبد الرحمن علي طه، في كتابه “السودان للسودانيين” إن السيد عبد الرحمن المهدي أرسل برقية إلى رئيس الوزراء المصري إسماعيل صدقي، على أثر بروتوكول صدقي بيفن، يعرب فيها عن نيته زيارة مصر لمقابلة الحكومة المصرية لكي يتباحث معها حول مسألة السودان. وأخبر السيد عبد الرحمن المهدي المصريين في تلك البرقية، أنه سوف يذهب إلى إنجلترا لنفس الغرض. غير أن حكومة صدقي تجاهلت برقيته ولاذت بالصمت، ولم ترد عليه بالطرق الدبلوماسية المتبعة، التي يلجأ إليها الدبلوماسيون عادة في أحوال الرفض.

رغم ذلك، قرر السيد عبد الرحمن المهدي الذهاب إلى القاهرة من تلقاء نفسه، ونزل في أحد فنادقها. غير أن الحكومة المصرية تجاهلت حضوره تمامًا، رغم أنه زعيم إحدى الطائفتين الدينيتين الكبيرتين في السودان، وهو راعي حزب الأمة أحد أكبر حزبين سياسيين في السودان. لم يأت أحدٌ من المسؤولين المصريين لاستقباله أو مقابلته؛ لا إسماعيل صدقي رئيس الوزراء شخصيًا، ولا أي فردٍ آخر من أفراد حكومته. بل، شنت عليه الصحافة المصرية في فترة وجوده في القاهرة حملةً شعواء، ونعتته بشتى النعوت، وكالت له السباب والشتائم. وذهبت إحدى هذه الصحف إلى القول: إن الإمام عبد الرحمن يجب أن يُحكم عليه بالإعدام بوصفه ثائرًا متمردًا على التاج المصري . وقد أورد عبد الرحمن علي طه في نفس الكتاب، المقتطف التالي مما كتبته إحدى الصحف المصرية، حيث قالت:

أكد لنا مصدرٌ كبيرٌ جدًا أن الثائر عبد الرحمن المهدي كان على وشك أن يصل إلى مصر في أوائل هذا الصيف الذي انتهى، لتقديم خضوعه للتاج المصري الذي جعله “باشا” وأضفى عليه نعمةً مما جعله يرفل في جاهٍ عريض…. ولكن الاستعمار الإنجليزي أشار إليه بإصبعه أن يلزم مكانه فلزمه .

صادف وجود السيد عبد الرحمن المهدي في زيارته تلك للقاهرة، وجود السير هيوبرت هدلستون حاكم عام السودان، الذي وصل إليها، هو الآخر، عندما كان في طريق عودته من لندن إلى الخرطوم. زار السير هدلستون السيد عبد الرحمن المهدي في الفندق في القاهرة، وأخبره أنه في حالة ذهابه إلى إنجلترا سوف يجد ترحيبًا من الحكومة البريطانية. كما شكر هدلستون السيد عبد الرحمن على ما قام به من جهودٍ أدت إلى تهدئة ثورة الجماهير في السودان، عقب إعلان المصريين اتفاقية صدقي بيفن، خاصة بعد قول إسماعيل صدقي للمصريين حال عودته من المفاوضات مع إنجلترا: “لقد أتيتكم بالسيادة على السودان”، (تكبير الخط من وضعي). وقد أكد السيد عبد الرحمن للمستر هدلستون أن ما ذكره صدقي أثار ثائرة السودانيين، لكونه قد أعلن بصورةٍ صريحةٍ أن مصر لا تقر للسودانيين بحق تقرير المصير، وإنما تقر لهم فقط بالحكم الذاتي، تحت التاج المصري. وقال السيد عبد الرحمن لهدلستون: لولا تصريح المستر إتلي في مجلس العموم البريطاني، الذي قال فيه إن تصريحات إسماعيل صدقي التي أطلقها بعد عودته من مفاوضاته مع إنجلترا حول مصير السودان، غير حقيقية، وأنها مُضلِّلة، لما أمكن تهدئة خواطر السودانيين. وواضحٌ من ثورة السودانيين على تصريحات إسماعيل صدقي أن السودانيين لم يكونوا يريدون الوحدة مع مصر تحت التاج المصري. لكن، الحكومة المصرية كانت تود أن تبتز السياسيين وزعماء الطوائف ليسيروا في قضية مصير السودان عقب خروج البريطانيين وفقًا للرغبة المصرية، وضد رغبة شعبهم. والذي حدث بالفعل عند الاستقلال أن السودانيين أعلنوا استقلال بلادهم عن كلٍّ من بريطانيا ومصر، من داخل أول برلمان وطني ديمقراطي جرى تكوينه، رافضين فكرة الوحدة مع مصر.

التحقيق مع خضر حمد

ما كنا لنعرف شيئًا عن أساليب المخابرات المصرية في ابتزاز السياسيين السودانيين لولا اطلاعنا على بعض الشهادات التي دونها أو حكاها بعض السياسيين السودانيين، بأنفسهم، عن تجاربهم في مصر. فإلى جانب ما جرى من معاملة مسيئة للسيد عبد الرحمن المهدي، تعرض قطب الحزب الوطني الاتحادي خضر بشير لمحاولة ابتزازٍ غريبة. وقد حكى تلك التجربة السيد خضر حمد بنفسه في مذكراته وهي تعرضه للتحقيق من قبل النيابة المصرية، حين زار مصر عام 1955. وكان خضر حمد قد أصبح وزيرًا للري في حكومة الرئيس إسماعيل الأزهري، عقب عزل الوزير ميرغني حمزة الذي سبقه. أورد هذه الحادثة، أيضًا، الدكتور سلمان محمد أحمد سلمان، وهو يناقش ملف مياه النيل وتاريخ المفاوضات بهذا الخصوص. والقصة، باختصار، أن السيد خضر حمد ذهب إلى القاهرة في الأسبوع الأخير من شهر مارس عام 1955 للتحضير للجولة الثالثة من المفاوضات المتعلقة بمياه النيل. قال السيد خضر حمد إنه حمل معه إلى القاهرة قصيدة كتبها الشاعر السوداني المعروف، أحمد محمد صالح، تحمل عنوان “إلى نجيب في عليائه”. وكان غرض خضر حمد من حمل القصيدة معه إلى القاهرة أن يجري خطَّها بواسطة خطاطٍ محترفٍ، ثم تحويلها إلى لوح معدني طباعي ليجري عمل عدد من النسخ منها لعدد من أصدقائه المعجبين بالقصيدة الذين كلفوه بهذه المهمة. ويبدو أن هذه المجموعة من الأصدقاء كانت تريد وضع القصيدة في أُطرٍ (براويز)، لكي يعلقوها على جدران منازلهم. وقد كان اللواء محمد نجيب، الذي قاد ثورة يوليو المصرية، ثم ما لبث البكباشي جمال عبد الناصر أن غدر به، وأودعه الإقامة الجبرية حتى مات، قائدًا مصريًّا محبوبًا جدًا لدى السودانيين. فنجيب نشأ وترعرع في الخرطوم وكان قلبه على السودان، وكان محل ثقةٍ كبيرةٍ بين السودانيين.

أعطى الوزير خضر حمد القصيدة لأحد مرافقيه من المصريين للذهاب بها لعمل اللوح المعدني الطباعي الذي سيعود به إلى الخرطوم. وواضح أن ذلك المرافق كان من المخابرات المصرية، فقد أرسل المعلومة إلى الأجهزة الحكومية. ومما يؤكد ذلك أن السيد خضر حمد حين ذهب في الموعد المحدد لاستلام اللوح المعدني داهمه بعض رجال المخابرات وهو في المحل التجاري الذي كان سيعد اللوح. وقد سأل السيد خضر حمد الرجال الذين داهموه في المحل، من أنتم؟ فرد عليه أحدهم بأنهم من رجال النيابة المصرية وأن معهم واحدٌ من ضباط الجيش. ويروي خضر حمد أن ذلك الشخص أجلسه على كرسي في المحل، وبدأ يكتب فما يشبه محضر التحقيق، ويقرأ بصوت مرتفعٍ: لقد وصل إلى علم وزير الداخلية أن الوزير السوداني خضر حمد أحضر معه قصيدةً عنوانها “علياء نجيب”. وأن القصيدة تحوي مدحًا لمحمد نجيب وتعريضًا برجال الثورة. وأن وزارة الداخلية المصرية أمرت أن يجري التحقيق معه في هذا الأمر، وأن يكون في المجموعة التي تجري التحقيق اثنان من أعضاء النيابة ورجل من الجيش.

الواضح من هذه المسرحية السمجة المرسومة أن الغرض منها هو إرباك وزير الري السوداني، وحل عزيمته أمام المفاوضين المصريين، بوضعه موضع المتهم بارتكاب جريمة، عبر تلفيق تهمةٍ تافهةٍ كهذه له، وتعريضه للتحقيق، وهو وزيرٌ زائر. ويبدو أنهم إمعانًا منهم في امتهان ضيفهم الرسمي وتقليل قيمته، اختاروا أن تجري هذه المسرحية السمجة في ذلك المحل العام وسط سوق القاهرة. ثم، التحقيق معه بهذه الصورة، دون أي اعتبار لمكانته، ولا للطرق التي تتعامل بها الدول مع الزوار الرسميين. فخضر حمد أحد أبرز سياسيي الحركة الوطنية في السودان، وقد زار مصر وهو في منصب وزير. لكن، بما أنه كان وزيرًا للري جاء في مشاوارتٍ تمهيدية وأن المفاوضات الرسمية قد كان مقررًا لها أن تجري بعد أيام من تلك الواقعة، فقد جرى استهدافه من أجل هزيمته نفسيا وزعزعة ثقته بنفسه. فاختلقوا له تلك الحادثة في نفس اليوم الذي كان مقررًا أن يعود فيه إلى السودان واللقاء بحكومته ومن ثم العودة من جديد إلى القاهرة في وفد المفاوضات.

الغريب أن السيد خضر حمد أخبر، لدى عودته من القاهرة، السيد إسماعيل الأزهري، رئيس الوزراء، بما جرى له في القاهرة، وطلب منه إعفاءه من العودة إلى مصر في الوفد المفاوض. لكن السيد إسماعيل الأزهري رفض طلبه وأصرَّ على أن يعود ضمن الوفد مرة ثانية! بل، ويعود رئيسًا للوفد. وهكذا، رجع السيد خضر حمد إلى القاهرة يوم 4 أبريل عام 1955، أي بعد أربعة أيامٍ فقط من مجيئه من القاهرة، ومن تاريخ تلك الحادثة. وقد دلَّ ذلك، فيما أرى، على قلة اكتراث السيد إسماعيل الأزهري وعفويته وعدم أخذه دلالة تلك الحادثة بالجدية الكافية. فالحادثة لم تزعجه ولم ير فيها إهانةً لبلده وحكومتها ومحاولةً لابتزار وزيرٍ ذهب للتفاوض في شأن خطيرٍ بغرض كسر عزيمته عن طريق اتهامه بارتكاب جريمة والتحقيق معه في محل تجاري عام وسط القاهرة. بل، لم يفكر الأزهري حتى في رفع صوته احتجاجًا على تلك الفعلة. عمومًا، عرفت الأنظمة المصرية، عبر عديد التجارب، عفوية السياسيين السودانيين الذين يمارسون السياسة، بلا كفاءة ولا تدريب، ويصلون إلى المناصب وفقًا لاعتباراتٍ تأتي الكفاءة، في كثيرٍ من الأحيان، في مؤخرتها، وقد لا تأتي إطلاقًا. كما عرفت السلطات المصرية انكسار السياسيين السودانيين وتقزيمهم لأنفسهم أمام رصفائهم المصريين. بل، وسذاجتهم، وقابليتهم للابتزاز بشتى الطرق. فطفقت تمارس عليهم مختلف ألاعيب الابتزاز، منذ أربعينيات القرن الماضي، وإلى يومنا هذا. فالمشكلة ليست حصرًا في طرق تعامل المسؤولين المصريين مع السودان ومع السودانيين، وإنما هي أيضًا، وبقدر أكثر أهمية، فينا نحن السودانيين، أنفسنا.

غازي سليمان وقصة الخمر والنساء

إن أميز ما يميز المحامي والسياسي الراحل، غازي سليمان، أنه كان رجلاً صادقًا، شديد الوضوح والصراحة. وأنه ممن يقولون الحق ولو على أنفسهم. وإن كان قول الحق على النفس ليس محمودًا في كل الأحوال، فبعضه يدخل، أحيانًا، في باب المجاهرة المنهي عنها. ذكر غازي سليمان، وهذا موثقٌ بالصوت والصورة في تطبيق يوتيوب، أنهم عقب الإطاحة بالرئيس جعفر نميري في ثورة أبريل 1985، كان ضمن وفدٍ من الحكومة الانتقالية جرى إرساله إلى مصر ليطالب الحكومة المصرية بتسليم الرئيس جعفر نميري الذي أطاحت به الثورة، لكي تتم محاكمته على ما اقترف من جرائم. وكان نميري عائدًا من الولايات المتحدة الأمريكية إلى السودان عبر القاهرة حين اندلعت الثورة وجرت الإطاحة به. فاحتجزته السلطات المصرية في القاهرة، ونصحته بعدم العودة إلى السودان، وأصبح لاجئًا هناك.

قال الأستاذ، غازي سليمان إن السلطات المصرية استقبلت وفدهم استقبالاً طيبًا، وأنزلتهم في أفخم الفنادق. وفي الليلة السابقة للجلسة الرسمية لتقديم طلبهم إلى الحكومة المصرية بتسليم الرئيس جعفر نميري، جِيء إليهم بالخمر والنساء. وحين ذهبوا في اليوم التالي إلى قاعة المحادثات، وجدوا شاشة كبيرةً معلقةً على الحائط. وما أن بدأت الجلسة، جرى عرض فيلم حوى ما قام به أعضاء الوفد في الليلة السابقة من أفعالٍ فاضحة. وما أن انتهى عرض الفيديو، وقف أحد المسؤولين المصريين وخاطبهم قائلاً: “طلباتكم يا باشوات؟”. قال غازي: “صمتنا لفترة وتلفتنا نحو بعضنا، ثم ما لبثنا أن قلنا لهم: ليست لدينا طلبات”. وواصل غازي قائلاً: “انفض الاجتماع ومنحونا إقامة لبضع أيام في أفخم فنادق القاهرة قمنا أثناءها بجولاتٍ سياحيةٍ في ضيافة الحكومة المصرية”. وهكذا عادوا إلى السودان بخُفَّيْ حُنين. وأعلنت مصر عقب ذلك أنها ترفض تسليم الرئيس المخلوع جعفر نميري لحكومة الفترة الانتقالية لأسباب قانونية وسياسية، وأن نميري مُنح حق اللجوء السياسي.

ما جرى لهذا الوفد السوداني الذي ذهب لمطالبة الحكومة المصرية بتسليم الرئيس المخلوع جعفر نميري لمحاكمته، ليس غريبًا. فمن المعروف جدًا أن المال والخمر والنساء من أهم وسائل أجهزة المخابرات في استخلاص الأسرار ممن تريد استخلاصها منهم. ويجري ذلك عن طريق توريط المطلوب استخلاص الأسرار منهم في علاقة غرامية مع جاسوسة من دون أن يعرف أنها جاسوسة. أو عن طريق جر المراد ابتزازه إلى فضيحة أخلاقية، يجري توثيقها بالصورة والصوت. فيصبح المستهدَذف أسيرًا لجهاز المخابرات فلا يعصي له أمرًا. وهذه الحادثة التي ذكرها الأستاذ غازي سليمان تقدم أقوى دليلٍ على سذاجة ورخاوة وغفلة القيادات السياسية السودانية التي تتصدى للعمل العام وعدم جديتها واستهانتها بضوابط تمثيل بلادها. ولنا أن نتصور كم من السياسيين السودانيين قد أضحوا أسرى لجهاز المخابرات العامة المصرية عبر استخدام مثل هذه الأساليب القذرة. لكن، أيضًا، كم هم وُضعاءُ أولئك المسؤولون الذين تُوقعهم دناءتُهم في حبائل هذا النمط من الابتزاز الرخيص؟ وتمارس أجهزة المخابرات في عديد البلدان هذا النهج. وكلنا يذكر ما تعرض له المعارض الماليزي أنور إبراهيم حين جرى تسريب شريط فيديو يصور ممارسته فعلًا مثليًّا فاضحًا نُسب إليه. وبعد أن جرى تقديمه للمحاكمة برأته المحكمة ولكن قامت محكمة الاستئناف بنقض حكم البراءة، وأودعته السجن لخمس سنوات.

مقاومة القوى العربية للديمقراطية

لم ترحب الدول العربية القريبة من السودان، كعادتها، بالثورة السودانية التي نادت بالتحول الديمقراطي. ولا غرابة، فهي إما أنظمةٌ ملكيةٌ وإما أنظمة عسكرية ديكتاتورية. فأنظمة دول الخليج أنظمةٌ أخرجها سياقٌ تاريخيٌّ خاصٌّ. هذا السياق التاريخي الخاص هو الذي قفز بها في بضعة عقود، قفزةً كبيرةً، من حالةٍ أقرب إلى البداوة وأدخلها من حيث المظهرُ الخارجيُّ البراق، في حقبة الحداثة. وقد لعب النفط والاقتصاد الريعي الذي ساد فيها، إلى جانب العلائق الاقتصادية والاجتماعية السائدة منذ القدم في مجتمعاتها، دورًا كبيرًا في جعل الحكم الملكي النموذج الأكثر مناسبةً لأوضاعها. فهي تُعدُّ اليوم، بحكم العوامل التي ذكرناها، إضافةً إلى قلة عدد السكان مع ضخامة الثروة، من أكثر المجتمعات العربية استقرارًا وأمنًا وثراءً على مستوى دخل الفرد، على تفاوتٍ في ذلك بينها. غير أن محاولاتها المستمرة لتعويق التحول الديمقراطي في السودان، خوفًا على نفسها من مطالبة شعوبها بالديمقراطية، أو خوفًا على حظها من موارد السودان الثرة التي ترى أنها في غاية الأهمية لأمنها الغذائي، فهو اتجاهٌ غير سليم، بل ومضرٌّ بها وبالسودان.

لقد أدى التوجه الخاطئ الذي تعاطى به النظام المصري مع الثورة السودانية، في نهاية الأمر، إلى اشتعال هذه الحرب الضروس التي أحرقت الأخضر واليابس. وهي حربٌ لا تزال تنذر بحدوث ما هو أسوأ. فالنظام الديمقراطي الوليد في السودان الذي أطاح به انقلابٌ عسكريٌّ بعد سنتين فقط من الاستقلال، توالت بعده الانقلابات العسكرية التي ما انفكت تطيح بالديمقراطية، كلما أعادتها ثورةٌ من الثورات السودانية. وقد حدث ذلك ثلاث مرات، كان آخرها انقلاب البرهان وحربه المدمرة الجارية الآن. ولقد ظلت الأنظمة المصرية المتعاقبة والأنظمة العربية ترحِّب على الدوام بالانقلابات العسكرية في السودان، رغمًا عن أن أكثرية السودانيين ترى أن النظام الديمقراطي هو الأصلح للسودان، وهو الأكثر خدمةً لنموه واستقراره. وكذلك، هو الأكثر خدمةً، لمصالح مصر والدول العربية الخليجية، من حيث تحقيق الاستقرار وأمن الإقليم، ومن حيث الشفافية في إدارة الفرص الاستثمارية والتعاون الاقتصادي.

لقد ظل النظام المصري نظامًا شموليًا غير أنه اكتسب بالإضافة إلى الشمولية، في عهدي أنور السادات وحسني مبارك، طبيعةً أوليغاركية غاية في البشاعة. وعمومًا، فقد تحدَّر نظام الحكم في مصر من النظام الخديوي الإمبراطوري التوسعي. فعلى الرغم من أن مصر قد أُعلنت جمهوريةً عقب انقلاب الضباط الأحرار في يوليو 1952، إلا أن النظرة الاستعمارية الخديوية، خاصةً تجاه السودان قد ظلت كما هي. وقد جعلت هذه الخصائص، إلى جانب فقر مصر من الموارد وضيق الأرض والتزايد المتسارع في عدد السكان، النظام المصري حريصًا على الهيمنة على سلطة القرار في السودان. بل، جعلته لا يفكر قط في أي أسلوبٍ آخر للتعاطي مع السودان غير أسلوب الهيمنة، واحتكار موارد السودان وحراسة نصيب مصر الضخم من مياه النيل. والسودان، كما سبق أن ذكرنا هو الفضاء الوحيد الذي يملك إمكانيات الحلول النهائية لحالة الاختناق المصرية المركبة. غير أن مصر لم تعرف قط كيف تتعامل مع ملفه بصورةٍ سليمة. ظل همُّ مصر الأوحد أن يتولى السلطة في السودان حاكمٌ عسكريٌّ يكون خاضعًا لإرادتها خضوعًا مطلقًا، فيخرس لها أصوات السودانيين المحبين للديمقراطية، الذين يريدون استقلاليةً كاملةً للقرار السوداني، ويريدون الخروج من حالة الاضطراب السياسي والعجز التنموي المزمن. لكنَّ مصر ظلت ترى أن فرص نمائها واستقرارها رهينةٌ بوجود نظامٍ عسكريٍّ في السودان، تقوم هي بحمايته نظير تمكينه لها من نهب موارد السودان. بل، ترى أن نمو السودان اقتصاديًا ووجود دولةٍ قويةٍ مستقلة القرار فيه، معيقٌ لنموها هي. وباستخدامها الأخير للفريق البرهان وجعله مطيَّةً لتحقيق أهدافها في السودان تعدت مصر عتبة احتكار موارد السودان، وبلغت مرتبة اتخاذ أراضيه منصَّةً عسكريةً متقدمة تتموضع فيها الجيوش المصرية لتهديد دول حوض النيل. وقد ذكر الكاتب: خليل محمد سليمان، أن سلاح الطيران المصري الذي شارك في المناورات مع سلاح الطيران السوداني، في عام 2022، بقي مرابطًا في مطار مروي، وأن قواتٍ إضافية قد تم دعمه بها. وأضاف خليل محمد سليمان أن هناك اتفاقًا سريًا لإبقاء مطار مروي قاعدةً عسكريةً مصرية. وأن إدارة المطار آلت إلى الجيش المصري بناءً على ذلك. وأشار خليل إلى أن الإعلام قد ركز فقط على تولي القوات المصرية إدارة برج المراقبة بواسطة موظفين مصريين، موردًا ما يؤكد أن الأمر أكبر من ذلك بناءً على ما قاله الإعلامي المصري مصطفى بكري، وهو أن الاستخبارات المصرية هي التي أصبحت تدير برج مراقبة ومدَرَّج المطار، وصالاته بصورةٍ كاملة. وقال خليل إن مصطفى بكري نفى أن يكون ذلك انتهاكًا لسيادة السودان، لأن كل هذه الإجراءات تمت بموافقة و”أمر” ورضا السلطات السودانية .

السعودية ومصر والإمارات والثورة السودانية

منذ اندلاع الثورة وازدياد التدافع بين قواها وبين قوى النظام القديم وعلى رأسها المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية التي صنعها الإسلامويون ورعوها على مدى ثلاثين عامًا، تنامى انشغال بعض الدول العربية بما يجري في السودان. ومن ثم، جرى الانخراط وبسرعةٍ شديدةٍ في محاولات التأثير على ما يجري فيه. وقد تبدى ذلك جليًّا في النشاط المحموم لسفراء الدول العربية لدى السودان؛ خاصةً مصر والسعودية والإمارات. ومن ثم، انخراطهم في العمل وسط القوى السياسية السودانية طيلة فترة الصراع بين عسكر نظام البشير وبين القوى المدنية التي سبقت التوقيع على الوثيقة الدستورية التي تولَّت بموجبها حكومة الدكتور عبد الله حمدوك السلطة. كما انخرطت قيادات هذه الدول مع القيادة العسكرية في السودان، فقدمت لهم العون المالي بقصد تثبيت قبضتهم على السلطة، كما سبق أن أوردنا، ليقوموا بخنق السعي المُطالِب بالتحول الديمقراطي وبالحكم المدني وبخروج العسكر عن السياسة.

قامت هذه الدول بهذه الجهود لتجيير الحراك الجاري في السودان لكي يصب في خدمة مصالح كل واحدةٍ منها، وفقًا للزاوية التي ترى منها مصالحها في السودان. وعلى الرغم من أن مجموعة مصر والسعودية والإمارات تُعد أقرب إلى التناغم، فيما بينها، من حيث النظرة المشتركة المتعلقة بالتعاطي مع قضايا الإقليم، إلا أن بينها أيضًا تنافسًا وصراعًا خفيا تبدَّى في بضع منعطفاتٍ. كما أن هناك صراعًا بين معسكر السعودية والإمارات، من جهة، ومصر ومعسكر قطر وتركيا، من الجهة الأخرى. وتدخل في معسكر قطر تركيا إيران أيضًا، رغم تضارب الأجندة المتعلقة بالسودان وبالإقليم بصورةٍ عامة. ومن أمثلة ذلك: الصراعات في العراق وسوريا ولبنان وليبيا واليمن، وحتى قطاع غزة. غير أن للسودان أهميةً خاصةً لدى كل هذه الدول، من حيث الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر، والموارد الثرة، وفرص الاستثمار الواسعة، ووفرة المياه، خاصة فيما يتعلق بالاستثمار الزراعي لتحقيق الأمن الغذائي. لكل ما تقدم، لا غرابة أن أضحت أراضي السودان ميدانًا لحرب وكالةٍ ضروس لقوى إقليمية ودولية. وقد ساعدت الرخاوة التي تتسم بها كثيرٌ من النخب السياسية السودانية، إلى جانب فسادها وقابليتها للعمالة وللارتشاء، في تكريس هذا الوضع المأساوي.

امتهان الإسلامويين للسودان

لم تُهنِ السودان وتحط من قدره نخبةٌ حاكمةٌ مثلما فعلت هذه النخبة من الإخوان المسلمين؛ من عسكريين ومدنيين. لقد لعب نظام الإخوان المسلمين طيلة فترة حكمه للسودان، التي بلغت حتى الآن 36 عامًا، على مختلف المتناقضات لإرباك الجميع. أتقن نظام الإخوان المسلمين في السودان ممارسة أساليب الابتزاز عبر مد الجسور إلى القوى الإقليمية متضاربة المصالح. فهو قد كان لفترةٍ طويلةٍ حليفًا لإيران التي ترى فيها المملكة العربية السعودية خطرًا داهمًا على أمنها. ثم ما لبث أن أصبح حليفًا للمملكة العربية السعودية، جاعلاً من الجنود السودانيين مرتزقةً يحاربون داخل اليمن وعلى الحدود السعودية اليمنية منخرطين في مواجهة عسكرية سافرة مع حليفته السابقة إيران، التي يمثلها في اليمن الحوثيون. ولقد فعل الرئيس المخلوع عمر البشير هذه الفعلة الشنعية نظير المال. وغطى ذلك بإدعاءٍ مضحكٍ خرج به على الناس الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة السودانية، العقيد، الصوارمي خالد سعد، حين قال في خطبةٍ حماسية: إن الجنود السودانيين إنما يحاربون في السعودية حمايةً للحرمين الشريفين. وأكاد أجزم أن خطبته تلك أضحكت السعوديين أنفسهم.

والآن، وللغرابة، تنهمر على هذا النظام الزئبقي اللزج، في نسخته البرهانية الأكثر قبحًا وفسادًا وعمالةً، الطائرات المُسيَّرة الإيرانية، من طراز مهاجر4 ومهاجر6، . كما تتدفق عليه أيضًا، مسيَّرات بريقدار التركية، وفقًا لما كشف عنه مصدرٌ عسكريٌّ سودانيٌّ رفيع لصحيفة “سودان تربيون” ، وأما دولة قطر، المعروفة بالوقوف في صف منظومة الإسلام السياسي المنتشرة في عديد الأقطار العربية، فقد تحوَّلت إلى ملجأٍ لقيادات إسلامويي السودان الذين هربوا عقب الثورة. بل وأصبحت مقرًّا للخلية الأمنية الإعلامية المقيمة هناك التي تُكثر قناة “الجزيرة مباشر” من استضافة إعلامييها. وهي خليةٌ قام الفريق البرهان والإسلامويون بإرسالها إلى الدوحة كجزء من خطة الحرب التي أعدت قبل إشعالها بمدة. ويقتصر دور هذه الخلية على بلبلة الرأي العام السوداني والإقليمي والدولي ببث الأكاذيب وممارسة الديماغوغية المستندة على المغالطات التي أشتُهر بها أعضاء تنظيم الإخوان المسلمين في السودان.

على الرغم من التعارض بين معسكر السعودية ومصر، مع معسكر تركيا وقطر، نجد أن مصر والسعودية تسيران مع تركيا وقطر على نفس الخط المقاوم لإرادة القوى الحيَّة من الشعب السوداني التي تنادي بالتحول الديمقراطي وبخروج الجيش من العمل السياسي، وأيضًا، من إدارة اقتصادٍ موازٍ لا يخضع لرقابة الدولة. وقد سبق أن قال رئيس وزراء الفترة الانتقالية عبد الله حمدوك إن الجيش السوداني يسيطر على حوالي 80% من موارد البلاد، ويديرها بعيدًا عن وزارة المالية. ومن يتابع “قناة الجزيرة” المملوكة لقطر، وقناة “العربية الحدث” المملوكة للسلطات السعودية، منذ اشتعال هذه الحرب المدمرة، يرى تطابق الخط التحريري للقناتين الداعم للفريق البرهان الذي يسيطر على قراراته الإسلامويون سيطرةً تامة. وهذه واحدةٌ من أعاجيب السياسة في منطقتنا.

أما دولة الإمارات العربية المتحدة فقد بدأت متخوفةً عند بداية الثورة من قيام نظامٍ ديمقراطيٍّ في السودان، شأنها شأن كل الأنظمة الملكية العربية. ففي 1 مايو 2019، أشار وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش إلى تدخل بلاده في الأحداث الجارية في السودان، حيث قال في تغريدةٍ على موقع تويتر إنه “يحق للدول العربية بشكلٍ كاملٍ دعم انتقالٍ منظَّمٍ ومستقرٍ في السودان”. غير أنه أشار إلى ضرورة أن يوازن هذا الانتقال بعنايةٍ بين التطلعات الشعبية والاستقرار المؤسسي، وهذا، بطبيعة الحال حديثٌ لا غبار عليه. لكن الوزير الإماراتي أشار في نفس السياق إشارةً سلبيةً خفيَّةً إلى الحراك الجماهيري في السودان، حين قال: “لقد عانينا من الفوضى الشاملة في المنطقة، ومن المنطقي ألا تكون لنا حاجة في المزيد منها” ، لكن، مع تقدم الأحداث غيَّرت دولة الإمارات موقفها ليصبح مقاومًا للخط الذي تسير عليه مجموعتا تركيا وقطر، من جهة، والسعودية ومصر، من الجهة الأخرى. وهكذا أصبح السودان، بسبب فقدانه استقلالية القرار، ساحةً لتعاركٍ شرسٍ بين جميع هذه القوى.

الاستعداد السوداني لقبول التدخلات الخارجية

لقد وضعت في مقدمة هذه المقالات مقولة مارتن لوثر كينج الشهيرة القائلة: “لن يستطيع أحدٌ أن يركبَ على ظهرِكَ ما لمْ تكنْ مُنحيا”. والغرض من وراء وضعها هو الإشارة إلى أن سبب الاستهانة بالسودان والتجرُّؤ على استباحته من قبل الآخرين، إنما يعود أولًا وأخيرًا، إلى ضعف الحس الوطني وضمور الشعور بالكرامة الوطنية لدى كثيرٍ من نخبنا السياسية، بل ومن الشعب نفسه. فما أن اشتعلت الثورة وتداعت على السودان دول الجوار العربي المختلفة، كتداعي الأكلة على قصعتها، أخذت كل دولةٍ تحاول تجيير مخرجات الثورة لصالحها. وأخذت القوى السياسية السودانية في الركض إلى تلك العواصم العربية لتقديم خدماتها. فقد أورد موقع “الجزيرة نت” أن قيادات حزبية سودانية قد زارت سرًا دولة الإمارات العربية. وأن تلك الزيارات قد أزعجت الثوار المعتصمين حينها أمام مباني القيادة العامة للجيش في الخرطوم. ونسب موقع “الجزيرة نت” لصحيفة “الجماهير” الإلكترونية السودانية، أن مسؤولةً حزبيةً سودانيةً كانت آخر الزائرين سرًّا إلى أبو ظبي. ونقلت الصحيفة عن مصادر لم تسمِّها، أن تلك المسؤولة الحزبية الزائرة لم تُدْلِ بأي تصريحات لدى وصولها أبو ظبي، كما لم يُعرف جدول أعمال زيارتها أو مدتها . كما ذكر موقع “الجزيرة نت” في نفس هذا التقرير أن صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية ذكرت أن خمس قوى سودانيةً معارضةً، بينها عدد من الحركات المسلحة، زارت أبو ظبي حينها لإجراء محادثات قصدت منها أبو ظبي إقناع تلك القوى بالانضمام إلى حكومة يقودها العسكريون.

كما أورد موقع “الجزيرة نت” مقالاً لأحمد فضل، تحت عنوان: “دعم السعودية والإمارات لعسكر السودان.. أسئلة تحتاج إجابات”، قال فيه أن دعاة الاحتجاجات في السودان قد قابلوا الدعم السعودي الإماراتي، للمجلس العسكري الانتقالي بريبةٍ لافتةٍ لا تخلو من اتهاماتٍ بأن أعضاء المجلس الانتقالي، الذي يدير البلاد حاليًا واقعون ضمن لعبة المحاور. (راجع أحمد فضل: دعم السعودية والإمارات لعسكر السودان.. أسئلة تحتاج إجابات على موقع الجزيرة نت على الرابط . أما صحيفة فايناشيال تايمز البريطانية، فقد أوردت في 26 أبريل 2019، أن السعودية والإمارات بدأتا تخوضان في الشأن الداخلي السوداني بدعمهما للمجلس العسكري الانتقالي بهدف عرقلة الانتقال إلى الحكم المدني. وأوضحت الصحيفة في تقرير لها من الخرطوم، أن حزمة المساعدات المالية والسلعية الجديدة من الدولتين، البالغة ثلاثة مليارات دولار، قد خففت الضغط على الوضع الاقتصادي وعلى المجلس العسكري الانتقالي. لكنها، أغضبت السودانيين المعادين لأي دعمٍ أجنبيٍّ للحكومة العسكرية المؤقتة. وأشارت الصحيفة إلى المطالبة الشعبية بالتسليم الفوري للحكم لإدارةٍ مدنيةٍ، قائلةً إن المساعدات من الدولتين الخليجيتين قد مهَّدت الطريق لمعركة ثانية بين الجيش والشعب. وقد صدق ما تنبأت به الصحيفة.

أيضًا، نقلت صحيفة فاينانشيال تايمز عن سفيرة بريطانيا في الخرطوم روزاليندا مارسدن، التي سبق أن عملت ممثلاً خاصا للاتحاد الأوروبي بالسودان وجنوب السودان بين 2010 و2013، قولها: إن أبو ظبي والرياض أوضحتا خلال الأيام القليلة الماضية أنهما تدعمان المجلس العسكري الانتقالي. وقالت الصحيفة، إن السفيرة أعربت عن اعتقادها أن هذا الدعم كان مدفوعًا بصورةٍ أساسيةٍ بالحاجة إلى ضمان استمرار مشاركة القوات البرية السودانية في حرب اليمن. وهو أمرٌ بادر المجلس العسكري الانتقالي في السودان بتأكيده بسرعةٍ منذ البداية لكلٍ من السعودية والإمارات. أي، أن السودان لن يسحب جنوده من اليمن. وعلقت السفيرة بأن جنود السودان الذين عركتهم الحروب أثبتوا أهميةً حيويَّةً للهجوم البري السعودي والإماراتي على المتمردين الحوثيين . ومما يجدر ذكره هنا أن السعودية حين نادت الدول العربية إلى الوقوف إلى صفها في حرب الوكالة التي شنتها عليها إيران من اليمن واستهدفت أمنها، اعتذرت مصر عن إرسال جنودها، في حين قبل بذلك الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير. ومشى على نفس الدرب الفريق البرهان الذي كان أصلاً منسقًا لتفويج الجنود السودانيين إلى اليمن، قبل قيام هذه الثورة التي أطاحت بالرئيس عمر البشير.

حكامٌ مُرتشون

إن الثورة السودانية المتعثرة التي لا تزال فصولها تتوالى وكان آخرها هذه الحرب المدمرة، ليست سوى محاولةٍ لوضع الحق الأبلج مكان الباطل اللَّجلج. وهذ مسيرةٌ قد تطول وقد يتعرَّض فيها السودان لما هو أسوأ مما هو جارٍ الآن من فظاعات. لقد أذَّل الإسلامويون السودان والسودانيين، كما لم يفعل أحدٌ من قبل. وما الاستهانة التي تقابل بها دول الخليج ومصر الحكومات السودانية العسكرية سوى نتيجةٍ طبيعيةٍ لما رأوه من وضاعةٍ ونهمٍ وقابليةٍ للارتشاء وسط عسكريينا وسياسيينا. وكلنا يذكر ما جرى في المحاكمة التي أقيمت للرئيس المخلوع عمر البشير بعد خلعه. فقد قال المحقق في تلك القضية، إن البشير أبلغهم أنه حصل على مبلغ 25 مليون دولاراً من ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، لإنفاقها في صورة “تبرعات وهدايا للفقراء”. وقال المحقق أيضًا، إن “البشير ادعى أنه تلقى قبل ذلك، 35 مليون دولاراً من العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبدالعزيز. وتلقى كذلك مليون دولاراً من ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد . فأي كرامةٍ وأي احترامٍ يمكن أن يلقاها السودان والسودانيون ورؤساؤهم ومسؤولوهم بمثل هذه الحِطَّة والوضاعة. رئيس يتلقى أمولاً نقديةً بالملايين تأتي بها إليه طائرةٌ خاصةٌ إلى مطار بلده وتكون موجهةً إليه بصفته الشخصية ويذهب بها إلى بيته، ويعطي بعضها لبطانته مثال الأخ المسلم عبد الحي يوسف. وليس البشير بدعًا في هذه الحطة والوضاعة وانعدام الكرامة. فما أكثر ما تردد أن المسؤولين السودانيين ظلوا يعودون من عواصم الدول الخليجية، وبرفقتهم حقائب محشوة بملايين الدولارات. باختصارٍ شديد هذه الثورة الشعبية التي تكالبت عليها السكاكين من كل حدب وصوب إنما جاءت لكنس هذه القذارات، ولاسترداد كرامة الوطن ووضع رجال ذوي عفة وكرامة ونزاهة على مقاعد السلطة. ولسوف يجد هذا التوجه الشريف مقاومةً شديدةً من جهات داخلية وخارجية عديدة، لكن انتصار النزاهة والشفافية حتميٌّ، طال الزمن أم قَصُر.

وجدت مصر ضالتها في البرهان 

منذ الغزو المصري الخديوي للسودان في الربع الأول من القرن التاسع عشر، لم تجد مصر حاكمًا سودانيًا أتاح لها نهب موارد السودان كما فعل الفريق عبد الفتاح البرهان. وسنأتي لاحقًا إلى ذكر ذلك بشيء من التفصيل. وعمومًا، فإن نهب موارد السودان ظل منذ العصور الغابرة هو الهم الأكبر المسيطر على العقليات المصرية الحاكمة. وقد سبق أن ذكرت كيف أن للجغرافيا وفقر مصر من الموارد دورٌ في هذا الهوس المصري بالسودان وبموارده؛ من أراضٍ خصبةٍ شاسعةٍ، ومن مواردَ طبيعيةٍ ثرةٍ؛ نباتيةٍ وحيوانيةٍ ومعدنية. يُضاف إلى ما تقدَّم، أن السودان يمثل خطرًا على حصة مصر من مياه النيل، بسبب سعة أراضيه وصلاحيتها للزراعة، الأمر جعل مصر تحرص بشدة على التحكُّم في نموِّه بمختلف الطرق. وكما سلف القول، فإن الفريق البرهان منذ أن اعتلى قمة السلطة، رئيسًا لمجلس السيادة للفترة الانتقالية، كانت خطته ألا تكمل الفترة الانتفالية مدتها. وألا تجري انتخابات تقود إلى يتولى المدنيون زمام الحكم، وفقًا لنهج التبادل الديمقراطي السلمي للسلطة. وبالفعل، أطاح الفريق البرهان بالوثيقة الدستورية وبحكومة الفترة الانتقالية، التي ترأس وزارتها الدكتور عبد الله حمدوك، بالانقلاب عليها في 25 أكتوبر 2021. انقلب الفريق البرهان على حكومة حمدوك، بعد أن وضع في سبيلها كل العراقيل الممكنة، كما سبق أن ذكرنا. خطة البرهان، وقد أثبتتها الأحداث التي ظلت تجري منذ وصوله إلى قمة هرم السلطة وإلى اليوم، هي أن يحكم البلاد منفردًا. وهذا يجعله في مواجهة قوتين هما: قوى الثورة بمختلف فصائلها، من جهة، والإخوان المسلمون بما لهم من ضباطٍ ملتزمين بخط الإخوان المسلمين، داخل الجيش، وأيضًا، بما لهم من كتائبٍ إرهابيةٍ جيدة التسليح، حسنة التدريب، من الجهة الأخرى.

للنجاح في هذه اللعبة الخطرة المركبة، اهتم الفريق البرهان، أولاً، بالحرب على قوى الثورة. وأصبح عليه أن يلعب على التناقض بين حليفيه المتمثلين في الإخوان المسلمين، والنظام. فمن جهةٍ، وافق فتون البرهان وجنونه بالسلطة ما يريده النظام المصري؛ وهو وجود جنرال على قمة السلطة في السودان يكون خاضعًا بالمطلق لإرادة النظام المصري. ومن الجهة الأخرى، يحتاج البرهان العون الدبلوماسي والعسكري الذي يقدمه له النظام المصري، لكي يبقى في السلطة. ولكي يجد العون الدبلوماسي والعسكري المصري تعين على الفريق البرهان أن يقدم شيئًا في مقابل ذلك، وهو فتح الباب على مصراعيه للنظام المصري، ولمجموعات المصالح الخاصة المصرية الملتفة حول النظام المصري، لنهب موارد السودان؛ بلا قيد أو شرط، وبأقل الأسعار، بل وبلا مقابل أحيانًا. وكذلك، الخضوع الكامل للنظام المصري فيما يتعلق برؤيته حول مياه النيل. وأيضًا، أن يصبح السودان منصةً عسكرية تمثل مخلب قطٍّ للنظام المصري في تسبيب القلاقل والمتاعب لإثيوبيا، ولغيرها من دول حوض النيل. وقد قام البرهان بكل تلك المهام، كما أراد منه النظام المصري، منذ أن أصبح رئيسًا لمجلس السيادة.

شراء السلع السودانية بالعملة المحلية 

في فترة سيطرة البرهان على السلطة في السودان، شاع أن مصريين يشترون مختلف موارد السودان بالعملة السودانية المحلية . ولم نعرف أبدًا أن حكومة ما في العالم رضيت أن تسمح لمشتري أجنبي أن يشترى سلع بلدها بعملتها المحلية. بل تردَّد كثيرًا أن العملة التي يشتري بها المصريون الموارد السودانية عملةٌ سودانيةٌ مزيفةٌ تجري طباعتها في القاهرة. وقد ورد في شهادات سودانيين مقيمين في القاهرة أن هناك من عرض عليهم حزمًا كبيرةً من الأوراقٍ النقدية السودانية، نظير مبالغ زهيدةٍ للغاية بالجنيه المصري. خلاصة القول، إن شراء موارد السودان سواءً إن كان بعملته المحلية، المُبرِّئة للذمة أو المزيَّفة، يعني في الحالتين أن موارد السودان تذهب إلى مصر مجانًا، أو شبه مجان. فالدول تصدر سلعها لتستجلب العملة الصعبة. بل إن شراء السلع السودانية من داخل السودان بواسطة أي أجنبي تعني أن هناك سوقًا سوداء لإبدال العملة السودانية بعملة أجنبية. كما يعني هذا أن البائعين من السودانيين يعرفون كيف يهربون العملات الصعبة التي يشترونها بالمحلية إلى الخارج. أما فيما يخص ملف مياه النيل وتسبيب القلاقل لإثيوبيا فقد اصطف البرهان وراء مصر اصطفافًا كاملاً، بل ومنح مصر قاعدةً مروي الجوية في شمال السودان لتصبح منصةً عسكرية متقدمةً لتهديد الجارة إثيوبيا.

العلاقة الملتبسة بين البرهان والإخوان

يعرف البرهان أن نظام السيسي قد سحق حركة الإخوان المسلمين في مصر، ونكَّل بها شر تنكيل. وهو يعرف أن نظام السيسي يقف ضد الإخوان المسلمين حيثما كانوا، ولكنه استثنى إخوان السودان لخدمة هدف تكتيكي مرحلي، هو مساعدة البرهان للبقاء في السلطة حتى تثبت فيها قدماه. أيضًا، يعرف الفريق البرهان أن مصر تعرف أنه عمل ضابطًا في الجيش السوداني في خدمة الإخوان المسلمين في السودان، وذراعها المؤتمر الوطني لعقود طويلة. لذلك، نحن بحاجة لمعرفة السبب الذي جعل النظام المصري ينخرط في دعمه سياسيًّا وعسكريًا بالطريقة التي ظهرت في هذه الحرب. ولا أجد تفسيرًا لذلك سوى أن يكون الفريق البرهان قد قدَّم للنظام المصري، في لقاءاته العديدة بالفريق عبد الفتاح السيسي وجهاز مخابراته، تطميناتٍ فيما يخص حلفه مع الإسلامويين. وغالبًا ما تكون أنَّ حلفه مع الإسلامويين حلفٌ تكتيكيٌّ قصيرٌ الأمد، من أجل خدمة مرحلةٍ بعينها. فحزب المؤتمر الوطني وحاضنته حركة الإخوان المسلمين يتشاركان مع الفريق البرهان الحرص على هزيمة الثورة. لكنهما يختلفان معه في أنهما يريدان العودة إلى الحكم من جديد كتنظيم وهو أمرٌ يعرف الفريق البرهان أن مصر ودول محيط السودان لا تريده. وما من شك أن تنظيم الإخوان المسلمين يعرف تمامًا ما يفكر فيه البرهان من أجل الانفراد بالسلطة والبقاء تحت الحماية المصرية مستقطبًا دعم دول الخليج التي لا تريد عودة الإخوان المسلمين للسلطة في السودان من جديد. لذلك، يتعامل تنظيم الإخوان المسلمين مع الفريق البرهان بحذر وشكٍّ كبيرين. وقد بان في مراتٍ عديدةٍ أن الفريق البرهان والإخوان المسلمين يتربصان ببعضهما. فلكل واحدٍ منهما خطته الجاهزة للانقضاض على الآخر، عندما تصل الأمور نقطة مفترق الطرق. ويستخدم تنظيم الإخوان المسلمين كتائب المتطرفين مثال كتيبة البراء بن مالك، لتهديد الفريق البرهان.
أيضًا، ربما توصل النظام المصري عبر اختراقه للنخب العسكرية والأمنية والسياسية التي عملت مع نظام الرئيس المخلوع عمر البشير إلى قناعةٍ مفادها أن قادة ما تسمى “الحركة الإسلامية في السودان”، ليسوا قادةً مبدئيين بقدر ما هم حارسين لمصالح تخصهم. أي، أنهم ليسوا سوى مجموعة من الأوليغارك الغارقين في حب المال والسلطة حتى أذنيهم. وأنهم في حقيقة أمرهم براغماتيون، وليسوا مبدئيين. وأن ذلك يجعل اصطحابهم في خدمة مرحلة بعينها ثم رميهم جانبًا أو تطويعهم بصورةٍ دائمةٍ خيارًا ممكنا. لكن، في تقديري، أن هذا التصور، إن وُجد، فإنه تصورٌ خاطئ. فما تسمى الحركة الإسلامية في السودان ليست بمفردها وإنما مرتبطة بمنظومة إقليمية معقدة متضاربة الأجندة تشكل تركيا وإيران وقطر. ولذلك ظلَّت ما تسمى الحركة الإسلامية السودانية، تلعب على عدة حبالٍ. وقد عرفت عبر ما يزيد على الخمسة والثلاثين عامًا من التجربة، كيف تتلون وتخدع، وتنافق، وتلعب على عنصر الوقت وعلى متغيرات الأحداث وعلى تضارب أجندة دول الإقليم.
من الشواهد على العلاقة الملتبسة بين الفريق البرهان ومجموعة الإسلامويين، ما نراه بين فترةٍ وأخرى من انتقال الأبواق الإعلامية الناطقة باسم الإخوان المسلمين في السودان، بين الإسراف في تمجيد الفريق البرهان ووضعه في مكانة البطل القومي، وبين تحوُّلها، في أحيانٍ أخرى، إلى الهجوم عليه، مُلصقةً به أسوأ التهم والنعوت. فقد قال إمام مسجد جبرة في الخرطوم، المتطرف، عبد الحي يوسف، المقيم حاليًّا في تركيا: إن الإسلاميين لا يثقون في البرهان، وأن الفضل في الانتصارات الأخيرة للجيش، حسب زعمه، يعود إلى الإخوان المسلمين وليس إلى الجيش. وأضاف واصفًا البرهان بأنه شخصٌ: “ليس له دين، ويحمل النصيب الأوفر في التسبب في هذه الأزمة. فتقوية قوات الدعم السريع عدةً وعتادًا كانت تحت سمعه وبصره”. وأضاف أيضًا: أن “البرهان أعجز من أن يقضي على الإسلاميين، فهم موجودون حتي في مكتبه”. وينطوي هذا على أن لدى “الإسلاميين” شعورًا قويٍا وربما شواهد على أن البرهان يتربص بهم. وقد حذر عبد الحي يوسف رفاقه من الإخوان المسلمين قائلاً: إن البرهان في آخر زيارة له إلى أمريكا قبل شهرين من حديثه هذا، التقى مسؤولين أمريكيين ولم يصدر بيانٌ عن تفاصيل ذلك الاجتماع. وتنطوي هذه على تهمةٍ للبرهان بأنه ربما يخطط مع الأمريكيين للغدر بهم. وعزا عبد الحي يوسف الانتصارات التي تحققت أخيرًا إلى المقاومة الشعبية وليس إلى الجيش، قائلاً: “إن الله ساق هذه الحرب من أجل أن يُعيد (للحركة الإسلامية) ألقها وقوتها” .
لم يقتصر الهجوم على الفريق عبد الفتاح البرهان على إمام مسجد جبرة، عبد الحي يوسف، وحده، وإنما شارك في الهجوم عليه، أيضًا، بل والسخرية منه، في بضع مراتٍ، كلٌّ من الإعلامي، الطاهر حسن التوم، وديماغوغ “السوشال ميديا” الملقب بـ “الانصرافي”. بل وتشير بعض حوادث المسيَّرات التي أسقطت قذائفها على بعض اللقاءات الجماهيرية التي حضرها الفريق البرهان، إلى أنها قد كانت رسائل تحذيرية له من دهاقنة ما تسمى “الحركة الإسلامية”، عبر جناحها الداعشي المتطرف المسمى “كتائب البراء”. وغرض تلك الرسائل التحذيرية هو ألا يجنح البرهان قط إلى أي حلٍّ تفاوضيٍّ لإيقاف الحرب، يمكن أن يقصي الإخوان المسلمين وحزبهم المؤتمر الوطني من المشاركة في الحكم، وهو المطلب الرئيس لثوار ثورة ديسمبر. أو، أن يكتفي بمنحهم دورًا هامشيًا في المرحلة المقبلة بناءً على ما يتوصل إليه التفاوض. فإرسال المُسيَّرات وإلقاءها قنابلها على اللقاءات الجماهيرية التي يحضرها البرهان تعني أن الإخوان المسلمين يستطيعون أن يصلوا بهذه المُسيَّرات إلى عقر دار الفريق البرهان. فالإخوان المسلمون لا يريدون حلاً تفاوضيًا تفرضه القوى الدولية أو الإقليمية. فهم أصلاً لم يشعلوا الحرب إلا لكي يقضوا نهائيًا على قوات الدعم السريع، وهو السبيل الوحيد في نظرهم الذي يمكنهم من العودة إلى السلطة بمفردهم. وليتفرغوا، من ثم لذبح الثوار المدنيين المطالبين بالتحول الديمقراطي. وهو، كما ذكرنا، السبب الرئيس الذي جعله يقود الأمور بالتعاون مع الفريق البرهان عبر الفترة الانتقالية، لتصل إلى نقطة إشعال الحرب الشاملة الجارية حاليًا.
في 8 فبراير 2025 تحدث الفريق البرهان من عاصمة حكمه البديلة بورتسودان داعيًا المؤتمر الوطني المحلول للابتعاد عن المزايدات السياسية، مخاطبًا إياهم بقوله: إنه لا فرصة لهم في الحكم، مرةً ثانية، على أشلاء السودانيين في هذه المرحلة، وإلا فلن يكون هناك فرق بينهم وبين تنسيقية “قحت”، أو “تقدم”. وقال إذا أراد المؤتمر الوطني أن يحكم، عليه أن يتنافس في المستقبل مع بقية القوى السياسية. فانبرى في الرد عليه وبسرعة حزب المؤتمر الوطني ببياناتٍ مقتضبةٍ جنحت إلى اللوم والعتاب. أما إعلاميو الإخوان المسلمين والمؤتمر الوطني فقد انتقدوا ما ورد في الخطاب بلهجة بالغة الحدة. وقد رد على خطاب الفريق البرهان بيانٌ منسوب إلى أحمد هارون، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، توعد فيه بأنهم لن يسمحوا بمصادرة إرادتهم، عقب نهاية الحرب. وقال: “نحن حزب ضاربة جذوره في المجتمع السوداني، وما دام الحديث عن فترة انتقالية تنتهي بانتخابات، فمرحبًا بصناديق الاقتراع، وحينها لكل حادث حديث”
وأما قائد ميليشيا لواء البراء بن مالك الذي يمثل الذراع العسكري المتطرف في المؤتمر الوطني فقد قال: لا ننتظر شكرًا أو تقييمًا من أي شخص، ونرجو من الله أن يتقبل الجهد والجهاد، وسنظل ندافع عن كل شبر في الوطن. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الفريق البرهان كان قد زار قائد لواء البراء المصباح أبو زيد طلحة، عقب هروبه مباشرة من مباني القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم التي كان محاصرًا فيها لأربعة أشهر عقب اندلاع الحرب. الشاهد، فيما يتعلق بمناقضة البرهان المتكررة لنفسه أنه رجع بعد يومين من خطابه الذي حذر فيه الإسلامويين وحزبهم المؤتمر الوطني بألا يفكروا في العودة إلى السلطة ليقول: الذين حاربوا إلى جانبنا سيكون لهم مكانٌ في السلطة. ومعلومٌ أن الذين حاربوا إلى جانبه هم الإسلامويون وكتائبهم الجهادية المتطرفة.

انكشاف خضوع البرهان للمتطرفين

تناقلت عديد المواقع الإلكترونية تسريباتٍ نشرتها كاتبة العمود بصحيفة الجريدة، صباح محمد الحسن، ذكرت فيها أن اجتماعًا عاصفًا جمع الأمين العام لما تسمى “الحركة الإسلامية”، علي كرتي، وقائد الجيش، الفريق عبد الفتاح البرهان. تقول التسريبات أن علي كرتي هدد الفريق البرهان في ذلك الاجتماع بأنه، في حال انصياع الفريق البرهان للضغوط الدولية والإقليمية، سوف يكشف عن الكثير من الوثائق السرية المفصلية المتعلقة بالحرب الحالية وبانقلاب أكتوبر 2021، وبعملية فض الاعتصام. وذكرت الصحفية أن مصادر سياسية خارجية رفيعة كشفت عن ورقةٍ جديدةٍ على طاولة الحل للأزمة السودانية. وأن تلك الورقة وضعها تحالفٌ دوليٌّ ضم دول الوساطة بالتعاون مع دولٍ إقليميةٍ، من بينها دولٌ حليفةٌ للمؤسسة العسكرية. وذكرت أن تلك الورقة تتضمن خطةً عاجلةً، قد لا يتجاوز مدى وضعها موضع التنفيذ شهرًا. وتهدف الخطة للقضاء على ما أسمته “المد الإسلامي الإخواني بالسودان” واقتلاعه من جذوره، عبر عدة آليات قالت إنها متاحة. وتقول الصحفية أن تلك المصادر رجَّحت أن قناعة تلك الدول جاءت لسببين: أولهما أن قائد الجيش السوداني أخلَّ باتفاق سبقت موافقته عليه. وهو السماح له بإعادة السيطرة على مباني القيادة العامة، على أن يؤكد الفريق البرهان عقب انسحاب قوات الدعم السريع منها، أنه سوف يذهب إلى المفاوضات .
أيضًا، أضافت الصحفية قائلةً: إن تلك المصادر ذكرت أن البرهان كان في نيته تنفيذ الاتفاق. حيث لمَّح إلى ذلك في خطابه الأخير في مباني القيادة العامة، في حين صرح به بوضوح أكثر، نائبه مالك عقار. إلا أن القيادات الإسلامية حاصرت البرهان ومنعته من تنفيذ الخطوة. وبعد الإجتماع وعدول البرهان عن رأيه خرج قائد كتيبة البراء ليعلن ألا تفاوض مطلقًا مع قوات الدعم السريع. الأمر الذي كشف لتلك الدول أن قادة الكتائب الإسلامية هم الذين يقررون بدلاً عن الفريق البرهان، وأثبتوا عمليًا أنهم الطرف الأقوى. وتخلص الصحفية إلى القول إن إزاحة البرهان الذي أصبح عقبةً، ضرورةٌ ينبغي أن تسبق التفاوض المنتظر. وتقول الكاتبة: إن الذي دفع تلك الدول لقرار اقتلاع الإسلاميين، إضافةً إلى ما تقدم، ووفقًا لتك المصادر، هو الجرائم الأخيرة التي قامت بها كتائب البراء بن مالك ومليشيا درع السودان. وزعمت الكاتبة إن تلك الجرائم قد نسفت الدعم الدولي المؤسسة العسكرية السودانية، وباعدت بينها وبين الدول التي فضلت الوقوف إلى جانبها، باعتبارها تمثل الجهة الرسمية بالبلاد. خاصةً أن الفريق البرهان والمؤسسة العسكرية وقفوا متفرجين وعاجزين. ولم يفعلوا شيئًا أمام الجرائم الوحشية التي ارتكبتها تلك الكتائب والمليشيات باسم الجيش .
التلوُّن الإخواني
لقد أجبرت الضغوط الشديدة التي واجهها نظام الترابي/البشير في السودان، منذ بداية التسعينيات، على التلون وعلى اكتساب مهاراتٍ للبقاء جعلته يمسك بالسلطة، حتى الآن، لستةٍ وثلاثين عامًا. هذه الحقيقة ينبغي، في تقديري المتواضع، أن تكون حاضرةً في ذهن القوى الدولية والإقليمية المنخرطة في محاولة إيجاد نهاية للحرب البشعة الجارية الآن في السودان. كما ينبغي أن تكون حاضرةً في ذهن النظام المصري، الذي اتخذ من بقايا النظام الإخواني في السودان حليفًا له. وما من شك أن الأطماع التاريخية في السودان أعمت النظام المصري من أن يرى بوضوحٍ كافٍ خطورة بقايا هذا النظام الإخواني السوداني المتَّسم بالتلوُّن والمكر والغدر. ولا أدري إلى أي مدىً سوف تصطحب القوى الدولية والإقليمية في تقديراتها هذه الطبيعة المراوغة الماكرة لهذا النظام الإخواني الكليبتوقراطي، وإلى مدى سيتذكر النظام المصري الذي يحاول حاليًا احتكار ملف الأزمة السودانية، تجاربه المريرة مع نظام الترابي/البشير. فهل يا ترى نسي النظام المصري الصراعات الدموية بين الدولة المصرية وتنظيم الإخوان المسلمين وتفرعاته، منذ اغتيال بطرس غالي باشا، وأحمد ماهر باشا، وأحمد الخازندار، ومحمود فهمي النقراشي، ومحمد حسين الذهبي، ويوسف السباعي، وأنور السادات، ورفعت المحجوب، وفرج فودة، ومحاولة اغتيال الروائي نجيب محفوظ؟ هذا، إلى جانب الاعتداءات المتكررة على الكنائس المسيحية، والعديد من محاولات الاغتيال الفاشلة، إضافة إلى العديد مما جرى من هجمات قاتلة على أوتوبيسات السياح الأجانب.
لقد استضاف نظام الترابي/البشير، في فترة التسعينيات من القرن الماضي، عتاة الإرهابيين الدوليين من عيار أسامة بن لادن والثعلب كارلوس. كما قام بمحاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. إلى جانب ذلك، فتح النظام الباب للمتطرفين الإسلاميين من جميع أنحاء العالم، لدخول السودان، ومنحهم جوازات سفر سودانية. كما كان له دورٌ في التفجير الأول في برج التجارة الدولية في نيويورك، وفي تفجيرات السفارات الأمريكية في شرق أفريقيا، وفي حادثة تفجير المدمرة كول على سواحل اليمن. ومنذ بداية التسعينيات، ناصب هذ النظام الإخواني دول الخليج العربية العداء وفتح أبواقه الإعلامية ضدها ودعا إلى الإطاحة بها. وحين غزا صدام حسين الكويت وقف مع الغازي المعتدي، فجرى تصنيفه حينها ضمن ما سُميت “دول الضد”. كما جرَّ نظام الإخوان المسلمين في السودان إيران إلى السودان وإلى مياه البحر الأحمر مسببًا خللًا أمنيًا فادحًا في البحر الأحمر.
ما قام به نظام الإخوان المسلمين في السودان من تهديد للسلام العالمي أوقعه تحت طائلة العقوبات الدولية. وهي عقوباتٌ أسهمت مصر في تمديدها لأسباب تخصها. لكن، على الرغم من العقوبات المشددة التي جرى توقيعها عليه منتصف التسعينيات، تمكن النظام الإخواني في السودان من إرخاء القبضة الاقتصادية الخانقة عليه، بالاتجاه إلى كندا، حيث دخلت شركة تاليسمان الكندية إلى السودان وشرعت في عمليات استخراج البترول في السودان. لكن الشركة الكندية، سرعان ما باعت أسهمها إلى أحد فروع شركة أويل آند ناتشورال قاس كوربوريشن الهندية، مقابل 720 مليون دولارًا أمريكيًا. ويبدو أن ذلك حدث نتيجة لضغوطٍ من الحكومة الكندية، التي رأت أن عائدات النفط في السودان تذهب لإزكاء الحرب . عقب ذلك، دخلت، كلٌّ من الصين وماليزيا في صناعة البترول السودانية لينجح النظام الإخواني، رغم المقاطعات، في استخراج البترول، الذي طالما تعثر استخراجه. في نهاية عقد التسعينيات أطاح عمر البشير بالدكتور حسن الترابي صاحب فكرة الانقلاب الذي أتى بالبشير إلى السلطة. غير أن النظام الإخواني لم يغيِّر جلده، إذ استمر في حربه الدينية الجهادية في جنوب السودان. بل، وأضاف إليها حربًا أخرى في دارفور اتسمت بالتطهير العرقي والإبادة الجماعية. كما قوَّى النظام صلته بإيران بل وأصبح وسيطًا لإرسال الأسلحة الإيرانية إلى منظمة حماس في غزة عبر بدو صحراء سيناء، الأمر الذي جرَّ إسرائيل إلى تنفيذ غارتين جويِّتين داخل السودان.
الشاهد في كل ما تقدم أن نظام الإخوان المسلمين نظام يرتكز على أيديولوجيا إسلاموية عابرة للأقطار، تقوم على وهم مفاده أن الإسلام سيسود العالم. ولكي يسود الإسلام العالم لابد من مناطحة الغرب بمختلف الطرق. وبالفعل كما سبق أن ذكرنا أن هذا النظام انخرط مع الحركات الإرهابية في تنفيذ عدد من الهجمات. لكنه، مع ذلك، هو نظام متلوِّنٌ ومتقلبٌ له حاسة بقاء ومهارات بقاء عالية للغاية. لقد أتقن نظام الإخوان المسلمين في السودان، وهي التجربة الأولى للإخوان المسلمين في العالم في إدارة قطر لثلاثة عقود ونصف؛ عبر هذه التجربة الطويلة اتقن فن اللعب على عديد الحبال في وقتٍ واحدٍ وبمهارة عالية. فهو يهاجم ويتراجع، ويظهر التطرف أحيانًا، قولًا وعملاً، ويتظاهر بالاعتدال أحيانًا أخرى. يعرف هذا النظام كيف ينشئ الأحلاف مع أطرافٍ متناقضة المصالح مثلما فعل، ولا يزال يفعل، مع السعودية وإيران. هذه المهارات هي التي ضمنت له البقاء في السلطة حتى الآن على مدى زمني بلغ ستة وثلاثين عاماً. ولا زلت أعتقد أن نظام الإخوان المسلمين يخطط للبقاء في السلطة في السودان مدى الدهر.

التعاون مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية

من أمثلة تقلبات هذا النظام الأخطبوطي تعاونه مع وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA))، فتحت وطأة الضغوط الدولية والعقوبات الاقتصادية التي أرهقته اتجه النظام الإخواني إلى خطب ود الغرب، عارضًا استعداده لتقديم ملفات الإرهابيين الذين سبق أن استقطبهم وتعاون معهم إلى وكالة الاستخبارات الأمريكية. فأرسلت الوكالة طائرةً خاصةً أقلت مدير الاستخبارات السودانية، صلاح قوش، وذهبت به إلى واشنطن وهو محمل بملفات الإرهابيين الذين تعامل معهم نظامه. وقد كانت تلك محاولةً من النظام للخروج من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، ومن ثم، رفع العقوبات عنه. قدم صلاح قوش ما طُلب منه في خيانةٍ قبيحةٍ لجميع من سبق أن استقطبهم واستخدمهم من الإرهابيين. غير أن المخابرات الأمريكية استحلبت منه كل ما تريد، ولم يحصل منها على شيء نظير ما قدمه لها. وقد كشف موقع ويكيليكس عن محضر لقاءٍ جرى بين وفد من أعضاء لجنة العلاقات الخارجية واللجنة الفرعية لأفريقيا في مجلس الشيوخ الأميركي، وبين رئيس جهاز الأمن والمخابرات السوداني السابق صلاح عبد الله قوش. وقد أشارت إلى ذلك اللقاء البرقية رقم 09KHARTOUM698، المرسلة من السفارة الأميركية في الخرطوم لرئاستها في واشنطن بتاريخ 28/5/2009م. فقد ذكرت تلك البرقية أن صلاح قوش أعرب عن خيبة أمله لدي لقائه بالسناتور الجمهوري من ولاية جورجيا، جوني آزياكسون، والسناتور الجمهوري من ولاية تينسي، بوب كريكر. وبحسب البرقية، قال صلاح قوش إن سبب خيبة أمله أنه تعاون مع وكالة المخابرات الأميركية (CIA)، طيلة التسع سنوات الماضية. وأن ذلك التعاون لم يثمر في رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. وأردف قائلاً: “خلال التسع سنوات الماضية نجحنا في إنقاذ حياة أعدادٍ كبيرةٍ من الأمريكيين في الإقليم وفي الشرق الأوسط، بسبب تعاوننا مع وكالة المخابرات الأمريكية”. وأكد قوش للوفد الأمريكي أن عليهم أن يدركوا أن السودان يدفع “ثمناً باهظاً”، بسبب تعاونه مع المخابرات الأمريكية في مكافحة الإرهاب. وأنه شخصيًا يدفع ثمنًا لذلك التعاون. وقال إن أعضاء الحزب الحاكم، الذي ينتمي إليه “المؤتمر الوطني” قد أصبحوا ينعتونه بعميل أمريكا. أما الإخوان المسلمون المتشددون من رفاقه فينعتونه بـ “الكافر” جراء تعاونه مع الأمريكيين. ووصف قوش، وفقًا لتلك البرقية، السياسة الأمريكية بقصر النظر، وأنها متأثرةٌ بأجندة مجموعات الضغط مثال، “إنقاذ دارفور” . لاحقًا، تعرض صلاح قوش إلى سوء المعاملة من جانب أمريكا، رغم تعاونه مع وكالة المخابرات الأمريكية. فقد بلغ تجاهل أمريكا لما قدمه لها صلاح قوش درجة أن وقَّعت عليه في أغسطس 2019، حظرًا يمنعه من دخول الولايات المتحدة الأمريكية . وفي عام 2024، وقعت الولايات المتحدة عقوبات جديدة على صلاح قوش وعلى اثنين من رصفائه من رجال المخابرات السودانية، وهما: محمد عطا المولى، وطه عثمان الحسين. تضمَّنت تلك العقوبات حجز ممتلكاتهم في الولايات المتحدة الأمريكية ومنع الأمريكيين من التعاون معهم ماليًا، وكذلك، منعهم من دخول الولايات المتحدة الأمريكية .
الفريق، صلاح قوش المطلع بدقة على تعاون النظام الإخواني السوداني مع الجماعات الإرهابية الذي ذهب إلى أمريكا، كما ذكرنا، لكي يقدم لها المعلومات عنهم، نظير أن ترفع أمريكا العقوبات عن النظام، هو الآن، كما سبق أن ذكرنا، ضيفٌ على مصر وجهاز مخابراتها. وكما سبق أن أشرنا، أيضًا، أن هذا واحدًا من أبلغ الأدلة على هزال الدولة السودانية وعلى حالة الضعة والهوان التي أوصلها إليها تنظيم الإخوان المسلمين. فقد أصبح لجوء رئيس جهاز المخابرات إلى دولةٍ جارةٍ لها مطامع في الهيمنة على السودان كمصر وعلى موارده، أمرًا لا يرفع حاجب الدهشة. لقد استخدمت المخابرات المصرية الفريق صلاح قوش في كل المؤامرات التي أدت إلى انقلاب 25 أكتوبر 2021، الذي قوض الفترة الانتقالية وأطاح بحكومة عبد الله حمدوك، وقفل الطريق أمام التحول الديمقراطي. كما استخدمت كل من السعودية والإمارات العربية المتحدة الفريق طه عثمان الحسين، في مرحلةٍ ما، لنفس الغرض.

طرد الإيرانيين خيانة إخوانية أخرى

قبل ثلاثة أعوامٍ فقط من سقوط نظام المشير عمر البشير، خرج وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور، بصورةٍ مفاجئةٍ، على قناة الجزيرة ليؤكد أن السودان قد قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران على خلفية التدخلات الإيرانية في المنطقة على أسسٍ طائفية، وبسبب اعتداءاتها على سفارة وقنصلية السعودية في طهران. وفي وقتٍ سابقٍ لهذا التصريح، كانت وكالة الأنباء السعودية قد أوردت أن مدير عام مكاتب الرئيس السوداني عمر البشير، الفريق طه عثمان الحسين، أبلغ هاتفيًا، وبصورةٍ شخصية، ولي العهد السعودي الأمير، محمد بن سلمان أن الخرطوم قررت طرد السفير الإيراني، ومعه كامل البعثة الدبلوماسية. وأنها قامت إلى جانب ذلك باستدعاء السفير السوداني من إيران. وأكد طه لولي العهد السعودي إدانة السودان لتدخلات طهران في المنطقة، وإهمالها حماية السفارة والقنصلية السعوديتين في إيران. كما أعرب عن وقوف السودان مع السعودية في مواجهة الإرهاب وتنفيذ كافة الإجراءات الرادعة له، ونسبت “الجزيرة نت” ذلك الخبر إلى وكالة الأنباء السعودية . وقد جرى بالفعل قطع العلاقات مع إيران وطرد السفير وإغلاق المراكز الثقافية الإيرانية في السودان، بعد فترةٍ طويلةٍ من التعاون. وقد كان النظام السوداني قد سمح بالمد الشيعي والتغلغل داخل السودان. فنشأت الحسينيات والمراكز الثفافية الإيرانية، وانتشرت المطبوعات الشيعية، وغير ذلك مما تفعله إيران عادةً في نشر نسختها من الإسلام السياسي في مختلف الدول. وقد تبع طرد الإيرانيين انخراط النظام السوداني بالجنود في ما سميت “معركة الحزم”، التي شنها التحالف الخليجي بقيادة المملكة العربية السعودية على الحوثيين في اليمن. الأمر الذي جعل النظام السوداني منخرطًا من الناحية العملية في مواجهة عسكرية مع إيران ممثلةً في الحوثيين؛ حلفائها والمؤتمرين بأمرها في اليمن.
لكن، في أثناء هذه الحرب الدائرة الآن، أعاد النظام الإخواني السوداني، الذي يجلس على رأسه حاليًا الفريق عبد الفتاح البرهان محل الرئيس المخلوع عمر البشير، العلاقات الدبلوماسية مع إيران، مرة أخرى. فقبلت إيران بذلك رغم الطرد المهين الذي تلقته من الإخوان المسلمين في السودان في السابق. ويبدو أن أنظمة الإسلام السياسي سواء كانت شيعية أو سنية تحمل سمات متشابهة وهي التركيز على تحقيق الهدف غض النظر عن الوسيلة أو الكلفة من حيث الإهانة أو المس بالكرامة. عادت إيران وأخذت الأسلحة الإيرانية تتدفق على الفريق البرهان وتنظيم الإخوان المسلمين، وعلى رأسها الطائرات المسيرة . الشاهد أن كل هذه التقلُّبات تجعل المرء يتساءل: من أين تأتي الثقة في هذا النظام لدى من يتحالفون معه؟ وعلى رأس هؤلاء في الوقت الراهن النظام المصري. لقد أعلنت مصر أنها خسرت 7 مليارات دولار بسبب اعتداءات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر، الأمر الذي خفض حركة النقل عبر قناة السويس. وقد أصبح ميناء بورتسودان في فترة ما مزارًا للسفن الإيرانية، وهو أمرٌ يهدِّد أمن كلٍّ من مصر والسعودية.
تعلم مصر أن نظام الإخوان المسلمين في السودان، سواءً في فترة حكم الرئيس المخلوع عمر البشير، أو الفترة المضطربة المظلمة التي يحرك خيوطها الآن الفريق عبد الفتاح البرهان، لا ينفك يدور في الفلك الإيراني. فهو لا يبتعد عن إيران إلا ليعود إليها. ومن الواضح أن قلب نظام الإخوان المسلمين في السودان على إيران أكثر منه على أي جهةٍ أخرى. بل عندما يأتي نظام الإخوان المسلمين بالإيرانيين إلى السودان، إنما يبتز بذلك كلاًّ من المملكة العربية السعودية ومصر. بعبارة أخرى، إن لم تقبلوني على علاتي فسوف آتي لكم بإيران إلى البحر الأحمر. وتدل على هذا النهج الابتزازي أيضًا، مغازلات كلٍّ من الرئيس المخلوع عمر البشير والفريق عبد الفتاح البرهان، المتمثلة في عروضهما لروسيا لبناء قاعدة في البحر الأحمر. وقد قال سفير السودان لدى موسكو في ديسمبر 2024، إن بلاده لم ترفض استضافة قاعدة عسكرية بحرية روسية، مشددًا على متانة العلاقات بين الجانبين. وأوضح أن التقارير حول رفض حكومته اتفاقًا مع موسكو بشأن بناء قاعدة عسكرية بحرية غير صحيحة . وبعد حوالي شهرين، أي في فبراير 2025، أكد وزير الخارجية السوداني، علي يوسف الشريف ما ذكره سفير السودان لدى موسكو حيث قال إن الخرطوم وموسكو توصلتا إلى اتفاق بشأن إنشاء قاعدة بحرية روسية في السودان . وعمومًا تناقضت تصريحات وزير الخارجية السوداني في هذه الفترة، وهو ما يدل على اضطراب السياسة الخارجية السودانية بسبب عدم وضوح الرؤية وباتخاذ المناورات الابتزازية نهجًا لرسمها.
رغم كل ما سبق ذكره، راهنت مصر على الفريق عبد الفتاح البرهان، فقط لأنها وجدت فيه من الخضوع والانبطاح ما لم تجده في حاكمٍ عسكريٍّ سودانيٍّ قبله، متجاهلةً كل مخاطر الاعتماد على شخصٍ طبيعته الأصلية المكر والغدر وتقلُّب المواقف وتناقضاتها. فالرجل قد عاش لعقودٍ ضمن بنية نظامٍ طبعه التقلُّب والمكر والغدر فانطبع بطابعه، ولن يكون له من ذلك فكاكٌ أبدًا. فالحكومة السعودية لا تنفك تتعرض للدغات هذا النظام الإخواني في السودان، ومع ذلك بقيت في جانب الحفاظ عليه. ومن الغريب أن قناة “العربية الحدث” التي تمولها السعودية يسيطر على مكتبها في الخرطوم المنتمون إلى حزب الرئيس المخلوع عمر البشير، المؤتمر الوطني، التي ما انفكت توظف تقاريرها غير المهنية المرسلة إلى القناة لخدمة أجندة النظام الإخواني في السودان. ومن الواضح أن هذه التقارير تسير مع الخط التحريري لهاتين القناتين، إذ أنها لا تجد استغرابًا أو مساءلةً من رئاسة القناة. بل، يبدو أكثر أنها تجد منها المباركة والتشجيع. باختصارٍ شديد، هذا النظام الذي ترأسه الرئيس المخلوع عمر البشير لثلاثين عامًا وورثه منه الفريق عبد الفتاح البرهان نظامٌ ذئبيٌّ ثعبانيٌّ لا تتغير طبيعته أبدًا، ولسوف يقوم بلدغ حليفه، طال الزمن أم قصر. ولسوف يلدغ الفريق البرهان كلَّا من مصر والسعودية، إن هما سارتا معه على هذه الصورة الجارية معه اليوم. باختصارٍ شديدٍ، من تلوَّث بدنس فكر الإخوان المسلمين، في أي مرحلةٍ من مراحل حياته، لن يستطيع تطهير نفسه حتى تواريه ظلمة القبر.

تقسيم السودان في صالح مصر

منذ أن قبلت حكومة الرئيس المخلوع عمر البشير بانفصال الجنوب، بعد خمسة عشر سنة من الحرب مع حركة العقيد جون قرنق، طرح القيادي الإسلاموي، ووزير المالية السابق عبد الرحيم حمدي في عام 2005، فكرة تقسيم السودان. وهي الخطة التي أخذ السودانيون يشيرون إليها بـ “مثلث حمدي”. أحسَّ تنظيم الإخوان المسلمين في السودان وحزبه الحاكم “المؤتمر الوطني” أن عددًا من أقاليم البلاد تقف بطبيعتها الثقافية عاملاً معيقًا لإنشاء “دولة إسلامية” يمكن أن تهيمن فيها الثقافة العربية الإسلامية وحدها. فالاختلافات العرقية والدينية والثقافية في هذه الأقاليم من البلاد يجعلها، غير مستقرة بالقدر الذي يمكِّنهم من إقامة النموذج “الإسلامي” الذي يودونه. لذلك، جاءت فكرة “مثلث حمدي” التي طرحها وزير المالية الأسبق، عبد الرحيم حمدي في عام 2005، في ورقة قدمها في مؤتمر “الهوية والحكم اللامركزي”، الذي نظمه “المؤتمر الوطني”، حزب الإخوان المسلمين الحاكم.
اقترح حمدي في تلك الورقة أن يجري تركيز التنمية والاستثمار في المنطقة التي وصفها بـ “المثلث” الذي يضم الخرطوم وشمال كردفان ومنطقة الوسط النيلي والولايات النيلية الشمالية باعتبارها الأكثر استقرارًا؛ اقتصاديًا واجتماعيًا. وقد أثار هذا الطرح جدلاً واسعًا وعدَّه كثيرون تهميشًا لمناطق شاسعة من البلاد كدارفور وجنوب كردفان، وجنوب النيل الأزرق، وكذلك دولة جنوب السودان الحالية قبل انفصالها في عام 2011. يرى حمدي، أن هذه الأجزاء لا تصلح للاستثمار ويصعب مع وجودها جزءًا من دولتهم المرجوة، حدوث أي تنميةٍ مستدامةٍ، لكونها تتسبب في دوام القلاقل وعدم الاستقرار. وقد نفى حمدي في لقاء صحفي ما نسب إليه من أنه يسعى لتفكيك السودان. لكن ما جرى في الواقع العملي منذ انفصال الجنوب، وما يجري الآن لا يزال يؤكد أن تقليص السودان من أجل استقرار دولة الإخوان المسلمين في الوسط والشمال النيلي بحجة تجانس سكانها، خيارٌ بقيَ مطروحًا على الدوام، وتشير كثيرٌ من المؤشرات على أن فكرته لا تزال حية.
ربط فكرة “المثلث” الذي اقترن باسمه بالقوة التصويتية لهذه المناطق، وإن الاستثمار فيها يعين حزب الإخوان المسلمين، “المؤتمر الوطني” على كسب أصوات الناخبين وإلبقاء في السلطة. رغم أن حزب المؤتمر الوطني لم يجر انتخاباتٍ نزيهة قط. وهو الذي يفوز بالانتخابات في كل الأحوال. الشاهد، رغم ربط حمدي فكرته بكسب الانتخابات، إلا أن فكرة تهميش الأقاليم الأخرى كانت منطويةً في تسبيباته. فقد قال “إن الجسم الجيوسياسي في المنطقة الشمالية التي أشار إليها التي أطلق عليها اختصارًا “محور دنقلا – سنار- كردفان”، أكثر تجانسًا. وأن هذه المنطقة هي الوعاء الحامل من الناحية العملية لفكرة السودان العربي الإسلامي. فهي التي ورثت هذا التصور من الممالك الإسلامية القديمة، قبل مئات السنين. ولهذا يسهل، في نظر حمدي تشكيل تحالف سياسي عربي إسلامي فيها يستوعبها مجتمعة. وأضاف حمدي أن هذا الجزء هو الجزء الذي حمل السودان على ظهره منذ العهد التركي الاستعماري وعهد الاستقلال، وظل يصرف على بقية الأقاليم، حتى قبل وجود النفط. ولهذا فإنه حتى إذا لم تنفصل عنه تلك الأقاليم سياسيًا، وأصبحت تسحب الكثير من موارده اقتصاديًا فستبقى لديه في الحالتين؛ حالة الانفصال سياسيًا وحالة استنزاف موارده، إمكانية الاستمرار كدولة فاعلة. فحتى لو ابتعدت دارفور، رغم إمكانية خلق علاقات اقتصادية أكثر معها، وحتى لو انفصلت أو ابتعدت سياسيًا فستكون في الشمال والوسط دولةٌ أكثر تماسكًا ومكتفيةٌ ذاتيًا. ويبدو هنا، وبجلاءٍ شديدٍ الاستعداد للتخلي عن الأقاليم القصية بما فيها دارفور، على وفرة مواردها. وقد عبَّر الرئيس المخلوع عمر البشير عن هذا المفهوم حين ذكر أن جنوب السودان عبء على بقية السودان، وأن اقتصاد السودان سوف يصبح أكثر عافية اقتصاديًا عقب انفصاله. وعقب الانفصال ذهب ثلثا نفط السودان لدولة جنوب السودان، وظهر عمليًا خطأ هذا التصور. فقد تدهور الاقتصاد وتراجعت قيمة الجنيه السوداني في سنوات البشير الثمان التي أعقبت إنفصال الجنوب بصورة خرافية.
تلبَّست هذه النزعة الزاهدة في الاحتفاظ بأقاليم السودان القصية المختلفة عرقيًا، أو دينيًا، أو لغويًّا وثقافيًا، بناءً على أوهامٍ وخيالاتٍ فطيرةٍ، أعضاء تنظيم الإخوان المسلمين في السودان، منذ أن كانوا طلابًا في الثانويات. وتتمثل هذه النزعة في إمكان إقامة “دولة إسلامية/عربية”، الأمر الذي يصب بالضرورة في خدمة مصر وطمعها القديم الجديد في إلحاق أقاليم الوسط والشمال النيلي السودانية بها. فمشروع استتباع السودان وإلحاقه بالدولة المصرية بدأ منذ فترة الاستعمار الخديوي (1821- 1885)، واستمر في فترة الحكم الثنائي الإنجليزي المصري (1898 1956). وكانت الأداتان اللتان استخدمتهما مصر لتحقيق هذا الهدف هو تثبيت عروبة السودان في أذهان السودانيين، ثم إدخال المؤسسة الفقهية الرسمية التي تعمل ذراعًا للحاكم وتربي الجمهور العريض على طاعته.
هذا التصور الإخواني المتمثل في تقليص السودان سوف يجعل السودان أضعف من أن يحمي نفسه أمام منازعة القوى المسلحة في الأطراف له في السيطرة على مركز السلطة. ولسوف لن يجد أمامه، في لحظةٍ ما، سوى أن يرتمي في الحضن المصري، طلبًا للحماية. ومصر قد كانت، ولا تزال، ولن تنفك، في أكمل الاستعداد لتقايض الأنظمة السودانية الضعيفة، الحماية بالخضوع الكامل لها. وقبول الاستتباع والإلحاق بها، إلى درجة فقدان القرار المستقل نهائيًا. وقد قدمت لنا هذه الحرب الجارية الآن ملامحَ واضحةً لبداية هذه المرحلة التي سوف تتقاطع فيها المصالح المتضاربة للقوى السودانية العديدة الحاملة للسلاح، مع الجيش القومي الذي لم يعد هناك. فقد أظهرت تجربة هذه الحرب ضعفه وهوانه. فهو جيشٌ حوله تنظيم الإخوان المسلمين إلى مليشيا متهالكة. بل، وقام بحراسته بمليشيا تنظيمية كونها من المتطرفين المهووسين دينيًا، أطلق عليها اسم: “كتائب الظل”. وهي كتائب تملك تسليح نوعيًا كما أنها جيدة التدريب. مهمتها حماية نظام الإخوان المسلمين من الجيش ذاته الذي أدلجوه فأصبح جيشًا للتنظيم وليس جيشًا للبلاد. تقوم هذه الكتائب بمراقبته وإخافته تحسبًا من أن يكون فيه بعضٌ من الضباط ممَّن يمكن أن تحدِّثهم أنفسهم بالانقلاب على النظام القائم.

استدعاء الاستعمار
Colonization by Invitation

لقد خرجت إلى العلن، عقب هذه الحرب، دعواتٌ لبعض النخب السياسية والتجارية السودانية، وهي تنادي، بلا مواربة، بضم شمال السودان إلى مصر. وقد ارتفعت هذه الأصوات عقب الهزائم الكثيرة المتلاحقة التي تلقاها الجيش في العام الأول من حربه التي أشعلها على قوات الدعم السريع. وهذا دليلٌ واضح على إن ضعف السودان الشمالي، سواء حدث بعوامل خارجية أو داخلية، يجعله يلجأ تلقائيًا إلى حضن مصر طلبًا للحماية. ويبدو أن تنظيم الإخوان المسلمين السوداني قد أخذ يخطب ود النظام المصري منذ سنواتٍ طويلة. والسبب وراء ذلك، كما سبق أن ذكرنا، إيقان نظام الإخوان المسلمين الحاكم في السودان أن مصر هي مفتاحه الوحيد لإزالة العقوبات عنه وإعادة دمجه في المجتمع الدولي.
من النماذج الصريحة الواضحة للدعوات المفتوحة التي يقدمها تنظيم الإخوان المسلمين السوداني للنظام المصري ليقوم بما يشبه إعادة استعمار السودان، لكن، بطريقة ناعمة ما صدر عن وزير خارجية الرئيس المخلوع عمر البشير، علي كرتي. فقد دعا علي كرتي المصريين إلى الهجرة والاستيطان في السودان لاستغلال الأراضى الواسعة في السودان وكسب الرزق مع إخوتهم السودانيين. وقد جرى ذلك في لقاءٍ أثناء زيارة له للقاهرة أجرته معه جهة إعلامية مصرية. ويبدو أن تلك الزيارة اشتملت على لقاءاتٍ مع الحكومة المصرية بخصوص العلاقات الثنائية والتعاون بين البلدين. في ذلك اللقاء، استهل المذيع المصري حديثه بمقدمة قصيرة نورد منها قوله: هناك مرحلة جديدة وتوجهات اقتصادية، وهناك أفكار منها مسألة التكامل وشغل الحيز الفراغي الموجود في شمال السودان، وعمل توليفة جديدة لشعب “سومصري” أي سوداني مصري، (تكبير الفنط والخط تحت الجملة السابقة من وضع المؤلف). ثم تقدم المذيع بهذا السؤال: كيف كانت أهم الموضوعات وأوجه التعاون؟ وكان ملخص رد الوزير السوداني علي كرتي على المذيع بمثالٍ قال إنه يضربه دائمًا في هذا الخصوص، وقال إنه قد سمعه أيضًا من الرئيس عمر البشير وهو: أن هناك 1000 كيلومتر على النيل في السودان من الخرطوم إلى وادي حلفا يعيش فيها مليون ونصف شخص. وهناك 1000 كيلو متر في مصر، من أسوان إلى الإسكندرية يعيش فيها 90 مليون شخص. وعلق علي كرتي بعد أن ذكر هذه الحقيقة بقوله: هذا لا يُعقل! ثم أردف قائلًا: لماذا لا يستفيد إخواننا المصريون من هذه المساحات الواسعة والاستثمار وطلب العيش مع إخوتهم السودانيين وفتح أبواب الرزق المختلفة . ولابد من التذكير هنا أن تلك الزيارة التي قام بها علي كرتي إلى القاهرة قد جرت في فترة حكم الإخوان المسلمين لمصر في فترة حكم الرئيس الراحل محمد مرسي. ويبدو أن تقديم الدعوة للمصريين للقدوم والاستيطان في السودان كان ضمن مشروع الإسلام السياسي الدولي العابر للأقطار. في تلك الفترة أصبحت مصر كما السودان تحت حكم الإخوان المسلمين.
الحديث الذي أدلى به الوزير علي كرتي ودعا فيه المصريين للقدوم والاستيطان في السودان جرى في عام 2013. وقد سبقه بعامين، تصريحٌ للرئيس المخلوع عمر البشير فيه نفس الدعوة للمصريين للاستيطان في السودان. فقد أوردت صحيفة “الراكوبة” الإلكترونية في عام 2011، نقلا ًعن صحيفة “المصري اليوم” المصرية خبرًا مفاده أن الدكتور أيمن فريد أبو حديد، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي المصري، قرر تشكيل وفدين من خبراء وزارة الزراعة لزيارة السودان لمعاينة مساحة مليون و250 ألف فدان في ولاية نهر النيل لتحديد مدي ملاءمتها لزراعة محاصيل غذائية تحتاجها مصر. وأوردت الصحيفة في نفس الخبر، أن مصادر حكومية رفيعة المستوى أكدت أن الرئيس السوادني عمر البشير رحَّب بتوطين 10 ملايين مواطن مصري فى بلاده . (تكبير الفنط ووضع الخط تحت الجملة من وضع المؤلف). يتضح مما تقدم أن الاتجاه لفتح الحدود الشمالية للسودان للهجرة المصرية من أجل الاستيطان في السودان وتملك الأراضي قد بدأ منذ حوالي 13 عامًا، عقب الإطاحة بالرئيس حسني مبارك وتزايد التكهنات إن تنظيم الإخوان المسلمين المصري هو الذي سيكسب الانتخابات ويصعد إلى السلطة. وهو ما حدث بالفعل في يونيو 2012.
دعوات جديدة لإلحاق السودان بمصر
عقب قيام هذه الحرب قال الخبير الوطني في فترة حكم الرئيس المخلوع عمر البشير ربيع عبد العاطي إنهم اتفقوا على فصل إقليم دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة. وضم ولاية نهر النيل والشمالية والجزيرة والنيل الأبيض لدولة مصر تحت اسم “دولة وادي النيل”، تحت رعاية مصر . (تكبير الفنط والخط أسفل الجملة من وضع المؤلف). كما ظهرت مجموعة وصفت نفسها بأنها “رجال أعمال سودانيين” دعت هي الأخرى لدمج السودان في مصر. وهناك الكثير من هذا النوع من الأحاديث التي بدأت تظهر بتزايد ملحوظ في الآونة الأخيرة. وأفضل طريقة لمصر لإكمال هيمنتها على السودان، فيما أحسب، لهي تلك التي تأتي عبر مطالبة السودانيين أنفسهم بالانضمام إليها. فهذه هي أفضل صيغةٍ وأقلها كلفةً لتحقيق الهدف النهائي للماراثون المصري الطويل الساعي إلى استعادة السودان ووضعه، من جديدٍ، تحت كامل الهيمنة المصرية، مثلما حدث في الحقبة الخديوية، (1821 – 1885). فالنظام الإخواني الذي حكم السودان حتى الآن 36 عامًا أصبح أفراده، بعد أن تبددت أحلامهم في قيام “دولة إسلامية” نموذجية، وبعد حملت عليهم أطراف البلاد السلاح وفقدوا السيطرة عليها انحصر همهم في التمسك بالسلطة من أجل حماية ثرواتهم ومن شهوة الحكم والوجاهة الاجتماعية التي تمنحها السلطة للحاكم. وأفضل الطرق للحفاظ على السلطة، ومن ثم على الثروات هو دمج النظام الأوليغاركي السوداني، في النظام الأوليغاركي المصري، الذي جثوا على ركبهم وقبَّلوا قدميه لكي يسند ظهرهم نظير فتح كل الأبواب له لشفط موارد السودان، بل قبوله وصيًّا عليهم وشفيعًا لهم في المحافل العربية والدولية.
خلاصة القول، لن يتقدم السودان خطوةً واحدةً إلى الأمام، ما لم نعرف نحن السودانيين الكيفية التي نُبطل بها هذا الدور المصري المدمر بالوعي به، وبالوقوف ضده بقوة. إلى جانب ذلك، أن نعي خطر هذا التنظيم الذي تحوَّل من أيديولوجيةٍ دينيةٍ منغلقةٍ متجذِّرةٍ في سياقٍ تاريخيٍّ بعيدٍ، لا علاقة لها بهذا العصر، إلى مجرد عصابة جعلت من الدولة السودانية مزرعة خاصة بهم وحدهم لسرقة الثروات بمليارات الدولارات. أيضًا، لن تنهض مصر، نهضةً حقيقيةً مستدامةً، تليق بتاريخها القديم السابق لعصور الظلام والامتهان الأجنبي التي عاشتها، ما لم تعرف الطريقة الأمثل لخلق علاقةٍ صحيحةٍ منتجةٍ مع السودان.
جعل الإخوان المسلمون نظامهم الذي أتقن فن البقاء يتحدث بعددٍ من الألسن. فعقب اتفاقية نيفاشا التي وقعها نظامهم مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، كان الاتجاه هو العمل لجعل سنوات الفترة الانتقالية التي تشاركت فيها الحركة الشعبية السلطة مع المؤتمر الوطني، خادمة لخيار الوحدة في الاستفتاء المقرر له أن يجري في نهايتها. لكن، ظلت صحيفة الانتباهة التي يملكها خال الرئيس البشير وعضو المؤتمر الوطني الطيب مصطفى تعمل وبشدة على إثارة نبرة نعرات الكراهية العرقية والدينية، وظلت تعمل بمثابرة تحسد عليها في الدعوة لفصل الجنوب. وبالفعل، جرى الاستفتاء لتقرير مصير جنوب السودان، في نهاية فترة شراكة الحكم بين الطرفين، في عام 2011، اختار الجنوبيون بنسبة بلغت 99%، الانفصال عن جمهورية السودان. وقام الطيب مصطفى صاحب صحيفة “الانتباهة” بذبح ثورٍ أسود احتفاءً بانفصال الجنوب. وأعقب ذلك الرئيس المخلوع عمر البشير بالقول: إن حقبة تطبيق الشريعة الإسلامية “المدغمسة”، أي الملتبسة وغير الواضحة والصريحة قد ولَّت، وأن الفرصة قد حانت لحكومته لتطبيق الشريعة الإسلامية الصريحة. الشاهد أن تلُّون خطاب الإخوان المسلمين وحديثهم المتكرر عن أنهم إنما يدافعون عن وحدة البلاد وعن كرامة أهلها ليس سوى غطاءٍ لذرائعيةٍ فجة تدور حول أجندةِ حفنةٍ من الأوليغارك المتسلطين من كبار الإخوان المسلمين، الذين لا يعنيهم وطن ولا شعب ولا كرامة. وكل ما يعنيهم هو ما يخدم أجندتهم الشخصية التي يلبسونها لباسًا ليس لباسها.

ما وراء أكمة البحر والنهر

والآن، ونحن في هذه الحرب الضروس التي علا فيها خطاب الكراهية بصورةٍ غير مسبوقة، عَلَتْ، وبصورةٍ لافتةٍ الدعوة لما تسمى “دولة البحر والنهر” وهي دعوةٌ قائمةٌ أساسًا على أن المجموعات السكانية في الوسط والشمال النيلي مجموعاتٌ متجانسةٌ. وينبغي عليها أن تتخلى عن هذه الدولة المليئة بخليط الأعراق والسحن والألوان والأديان واللغات، لتُنشئ دولة العرب، “أبناء العمومة”، كما يصفهم داعيها عبد الرحمن عمسيب، في النطاق المحصور بين نهر النيل والبحر الأحمر. ويعني ذلك التخلي التام عن بقية إقاليم السودان الطرفية. وهذا لسانٌ من الألسنة التي تفرعت أصلًا من لسان الإخوان المسلمين، ولا يختلف كثيرًا عن لسان المرحوم الطيب مصطفى ولسان ربيع عبد العاطي. هذه ألسنة إخوان مسلمين أصبح يجمعها شيءٌ واحد بعد فشل المشروع الإسلاموي الذي أضاع 36 عامًا من أعمار السودانيين ومن عمر دولة الاستقلال السودانية، وأحالها في نهايته إلمطاف بهذه الحرب الأخيرة إلى ركامٍ من الأنقاض والرماد، وجعل أهلها هائمين على وجوههم في فجاج الأرض. هذا الشيء الواحد هو رهنها بقاءها في السلطة والاحتفاظ بثرواتها، بل وزيادتها، بإلحاق السودان بمصر، مثلما كان حاله في العصر الخديوي في القرن التاسع عشر.

الطبقة الطفيلية اللاوطنية

الإخوان المسلمون ليسوا السودانيين الوحيدين المستعدين لبيع بلدهم نظير حفظ أوضاعهم الاجتماعية؛ من أملاكٍ وثرواتٍ ووجاهة، وغير ذلك. فنخب الإخوان المسلمين التي تحكَّمت في مصائر البلاد والعباد في العقود الثلاثة والنصف الماضية، ورثوا طبائع الطبقة النيلية التي ظلت ممسكةً بمفاصل السلطة والثروة في السودان، منذ قرون. هذه الطبقة إما كانت هي الحاكمة بالفعل، كما في السلطنة الزرقاء، أو ملتصقةً بالحاكم الأجنبي في فترة الاستعمار الخديوي للسودان، أو بالحاكم المحلي في كل عهود الحكم الوطني منذ الاستقلال، وإلى الآن. ما يفرق بين الإخوان المسلمين وبين تلك الطبقة التاريخية أنهم اتخذوا الإسلام مركبًا يضلِّلون به عامة الجمهور ناحلين منه خطابًا ظلاميًّا تجهيليًّا يوظِّفونه أداةً لشلِّ العقول من أجل توطيد سلطانهم، وجني الثروات الطائلة، وتحقيق الوجاهة الاجتماعية والرفاه لأنفسهم. لقد تبنوا النسخة السلطوية القمعية التي صنعت الإمبراطوريات في الماضي فنزعوا إلى التحكم المطلق في السلطة، وإلى البطش الشديد بالمعارضين النزهاء، وتشويه سمعتهم باتهامهم بالباطل برقة الدين وبالعمالة للغرب، وغير ذلك من قبيح النعوت المنفِّرة.
وكما سبق أن ذكرت، فإن طبقة رجال الدين السودانيين التي خلقها الاستعمار الخديوي لتوطيد سلطانه على السودان في القرن التاسع عشر، وقفت ضد الثور المهدية عندما اشتعلت ضد الاستعمار الخديوي البشع. فحين ضيَّقت الثورة المهدية الخناق على الاستعمار الخديوي، قام الحكمدار عبد القادر باشا بتكليفِ عددِ من رجال الدين الذين جعلهم الحكم الخديوي في السودان ذراعًا له. كلف الحكمدار عبد القادر باشا كلاًّ من المفتي شاكر الغزي، وهو عالم شريعة موفد من قبل الخديوية في مصر، ومحمد خوجلي قاضي عموم السودان، والسيد أحمد الأزهري، وهؤلاء سودانيان بتأليف رسالة في تكذيب دعاوى المهدي. وألا يكتبوها كمجموعة وإنما يكتب كل واحدٍ منهم رسالةً على حده. فكتب كل واحدٍ منهم ما طلبه الحكمدار، وركَّزوا في رسالاتهم على ضرورة طاعة ولي الأمر وعدم الخروج عليه. كما أوضحوا أنه لا ضرورة لظهور مهدي في ذلك الوقت، لأن الأرض لم تُملأ ظلمًا وجورًا، وأن الجميع يرتعون في بحبوحة الأمن والسلم تحت رعاية الأفندي الخديوي، والناظر والحكمدار عبد القادر حلمي (تكبير الفنط ووضع الخط أسفل الجملة من وضع المؤلف).
لم تأبه طبقة رجال الدين هذه قط بالبلد وشعبه وإنما اصطفت بكليتها مع الحاكم الأجنبي المستعمر ووظَّفت نفسها للدفاع عنه. فهو الذي قربها منه ومنحها الأراضي والثروات والقرب من دوائر الحكم.
ربطت هذه الدائرة من رجال الدين ومن طبقة التجار نفسها مع المستعمر الخديوي وأصبحت جزءًا من بنية الحكم القائم إلى أن اقتلعتها الثورة المهدية. لكن الثورة المهدية ما لبثت في نهايات سنواتها أن أعادت إنتاج نفس هذه الطبقة، لكن على صورةٍ جديدةٍ. آثرت الطبقة المهدوية نفسها برغد العيش واضطهدت أهل الوسط والشمال بزعم أنهم متشككين لم يؤمنوا بالدعوة المهدية بصدق وإخلاص. وذهبت هذه الطبقة الجديدة إلى التنكيل البشع بكل من عارضها، بل وحتى الذين وقفوا منها موقفًا سلبيًا. أعدمت هذه الطبقة الحاكمة المهدوية زعماء قبيلة الكبابيش، وقبيلة البطاحين، وقبيلة الرزيقات، وقبيلة الجعليين، وقبيلة الضباينة، وقبيلة رفاعة، كما أضطهدت وضيقت الخناق على زعماء قبيلة الشكرية، وقبيلة الشايقية.
مما يستحق التأمل والدراسة في تطور البنيات السياسية والاجتماعية السودانية، أن من جرى اضطهادهم من قبل قبائل الوسط والشمال لم يحملوا السلاح ضد الحكم المهدوي. فهذه القبائل لم تتحد ضد الحكم المهدوي وإنما بقيت متشرذمةً، الأمر الذي مكَّنه من البطش بهم واحدةً تلو الأخرى. وحين hشتد البطش وتزعزع الأمن واستشرى السلب والنهب اتجهت بعض هذه القبائل للاستعانة بالأجنبي. لم تقاوم هذه النخب النيلية تسلُّط الخليفة عبد الله، باستثناء المقاومة القصيرة التي قام بها عبد الله ود سعد في ديار الجعليين، وأنزلت بالقبيلة نكبةً كبيرة، وإنما اتجهت إلى التخابر مع حملة الفتح التي كان يجري إعدادها في مصر لاستعادة السودان. بمثل هذا الفعل حجزت هذه الطبقة لنفسها مقاعدَ في منظومة الحكم الجديد القادم. فالمهم هو الحفاظ على الأملاك والامتيازات، ولا يهم إن كان الحاكم مستعمرًا أجنبيًا أو حاكمًا وطنيًا. هذه الطبقة التي أتقنت عبر القرون فن التقُّرب من الحاكم أيًا كان والحفاظ على مكاسبها الخاصة بها لا تزال تمارس ذات الدور الذي ظلت تمارسه منذ نشوء السلطنة الزرقاء في بدايات القرن السادس عشر الميلادي. ولا تزال سلالة من تحدروا من هذه الطبقة التي ربطت نفسها بالحاكم، أيًّا كان نوعه، تسير على درب أسلافها. تتكون هذه الطبقة من رجال دين؛ من علماء الشريعة الذين لا يقفون ضد حاكمٍ قط؛ أجنبيًا كان أو وطنيًّا، وأيضًا العديد من شيوخ الطرق الصوفية. هذه الفئة العريضة من طبقة التجار وأصحاب الأملاك ومختلف الصناعات هي التي لا تبالي الآن، من أجل حفظ أملاكها وأموالها وفرصها في تنمية ثروتها، أن يجري إلحاق السودان بمصر وتذويبه فيها. ويبدو، كما يقال، إن التاريخ يعيد نفسه.
تمددت هذه الطبقة الطفيلية الملتصقة بنظام الحكم، أيًّا كان، خاصةً في فترة حكم الإخوان المسلمين الأخيرة (1989 – 2025)، فضمَّت إلى ناديها كثيرًا من الأكاديميين، والمثقفين، وإلإعلاميين، ونجوم المجتمع من مختلف حقول الفنون والرياضة، وغير ذلك. ودعونا ننظر الآن إلى الاصطفافات في هذه الحرب الجارية الآن، وسنرى بوضوحٍ شديدٍ أين وضع أنفسهم هؤلاء طيلة الفترة المظلمة التي حكم فيها الإخوان المسلمين السودان، ولا يزالون، وأين حدَّدوا مواقعهم في حلبة الصراع. هذه الطبقة المصابة بهذا الداء التاريخي العضالٍ، نقلت داءها إلى خارجها فأصاب قطاعًا عريضًا من الناس؛ من متعلمين وغير متعلمين، ممن يقعون خارج دائرتها، وليس لهم نصيب بأي قدرٍ في امتيازاتها. وما أصابتهم به هو داء السلبية، فأصبحوا يؤثرون الوقوف على السياج والإكتفاء بالصمت والفرجة، والقبول بما يسفر عنه العراك أيًّا كانت نتائجه. هؤلاء لا يقدمون على أي مخاطرة ولا يقتربون قط من ساحة العراك، حرصًا على السلامة؛ سواءً أكانت سلامةً جسديةً، أو سلامةً معنوية. ويمثل هؤلاء الآن الغالبية العظمى من الشعب السوداني، للأسف الشديد.
فزاعة تقسيم السودان لتبرير السلبية
الإيثار للسلامة يتخذ صورًا مختلفة، ويتخذ أصحابه لتبريره ذرائع مختلفة. وعلى سبيل المثال، فإننا نجد أن قوى الثورة، وأعني هنا تحالف “صمود” وهو الشق المتبقي من تحالف “تقدم” قد عارضوا مجموعة تأسيس التي تشكلت في نيروبي، ودعت إلى تشكيل حكومة في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، والحركات المسلحة الأخرى. نأت هذه المجموعة بنفسها من تحالف نيروبي وميثاقه التأسيسي ودستوره بحجة أن ذلك سيقود إلى تقسيم السودان. هذا في حين لو قرأ هؤلاء مجمل ما ظلَّ يجري داخل بنية الإخوان المسلمين، لتبدَّت لهم الحقائق التالية:
1. فكَّر تنظيم الإخوان المسلمين في مثلث حمدي منذ عام 2005.
2. في عام 2011 قبل تنظيم الإخوان المسلمين فصل جنوب السودان بعد أن خطط له، كما احتفل باكتماله.
3. أعلن البشير في عام 2011 استعداده لمنح 10 ملايين مصري فرصة الاستيطان في السودان، وزراعة 250000 فدان.
4. دعا وزير خارجية نظام الإخوان المسلمين، عل كرتي، في عام 2013، إلى استيطان المصريين في الإفليم الشمالي قليل السكان.
5. ارتفعت أثناء هذه الحرب أصوات دعاة “دولة البحر والنهر” المنادين بالتخلص من الأقاليم التي يغلب فيها ذوو الأصول الزنجية.
6. ارتفعت أصوات النخب التجارية والصناعية داعية إلى دمج أقاليم السودان الشمالية في مصر. وقد جهر بهذه الدعوى “الخبير الوطني” لتنظيم الإخوان المسلمين، ربيع عبد العاطي.
7. منذ صعوده إلى رئاسة مجلس السيادة الانتقالي فتح الفريق البرهان البلاد للنظام المصري لنهب خيرات السودان، مقابل أن تقدم له مصر السند العسكري والدبلوماسي وتسوق استمراره في السلطة لدى دول الخليج لكونه سوف يقفل الطريق على التحول الديمقراطي الذي تخشاه هذه الدول، إضافة إلى منح هذه الدول ما تريد من أراضي السودان التي ظلت على الدوام تتطلع لحيازتها.
إن المرء ليعجب حقًا كيف فات على هؤلاء الذين يجلسون في قمة منصة تحقيق أهداف ثورة ديسمبر 2018، أن خطة تقسيم السودان كانت معدَّةً منذ عقود لدى تنظيم الإخوان المسلمين الحاكم. وأن تنفيذ هذه الخطة كخطة بديلة في حالة فقدان القدرة على السيطرة على كل البلاد، سيجري تفعيله في الظرف الذي يحتم من منظورهم ذلك التفعيل. بل وضح الآن أن هذه الخطة قد تعدَّت مجرد التخلِّي عن أقاليم السودان، خارج نطاق النهر والبحر، ووصلت إلى درجة الجهر بضرورة دمج ما تبقى من الدولة السودانية في الدولة المصرية. وقد أوردنا في الشواهد الأولية على ذلك ما يكفي، وسوف نورد شواهدَ إضافيةً موثقةً على ذلك في الفصول التالية. عمومًا، لو سارت الأمور على هذا المنوال، فإن شمال السودان وربما وسطه سيسقط، من تلقاء نفسه، في الفك المصري المتلهِّف لابتلاعه منذ فجر التاريخ، كما تسقط الثمرة الناضجةعلى الأرض.

.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!