رأي

قانون الوجوه الغريبة كيف حكم السودان باوجهه المتعددة

منال علي محمود

قانون الوجوه الغريبة

كيف حكم السودان باوجهه المتعددة

منال علي محمود 

لم يكن “قانون الوجوه الغريبة” نصًا مكتوبًا في دفاتر التشريع، بل كان أداة حكم متوارثة، تتبدل بها الوجوه وتبقى السلطة كما هي. هو القانون الذي حفظ بقاء الكيزان ثلاثين عامًا وأكثر، وأدار به النظام دولاب الدولة بوجوه متعددة في الجيش والشرطة والمخابرات والخارجية وفي الخدمة المدنية والإعلام.

القانون الذي لم يُعلن يومًا، لكنه ظل يحكم كل شيء من التعيين في وظيفة صغيرة إلى تمثيل السودان في المنابر الدولية.

الخدمة المدنية: الولاء قبل الكفاءة

في استمارة التقديم لأي وظيفة عامة، يُطلب منك ذكر القبيلة وإرفاق خطاب تزكية.

ليس لذلك علاقة بالمؤهل ولا بالكفاءة، بل بمقدار قربك من دوائر الولاء.

بهذا المنطق، صُمم النظام الإداري ليخدم السلطة لا الشعب.

توارث الجدات وانتقائية القصص

توارث الجدات هذا القانون غير المكتوب بانتقائية مدهشة.

فبعض القصص تركز على الثأر مع غرب السودان ويحمله أحفاد محمود ود أحمد (من أمراء الثورة المهدية)، بينما تُنسى حوادث أخرى مهمة، مثل حملة الدفتردار (السلطة الإدارية الاستعمارية في السودان قبل الاستقلال) الانتقامية على شريط النيل.

وهكذا يبقى جزء من التاريخ مختفيًا، ويترسخ في الذاكرة الشعبية ما يشبه الثأر المتقد الذي يدفن داخله عورات الماضي.

السرديات العنصرية والسياسة

وكان هذا القانون الموروث هو المبرر الأول لفصل الجنوب، إذ ذُبح “الثور الأسود” (رمز للجنوب السوداني في سياق الانفصال والصراعات مع المركز قبل استقلال جنوب السودان عام 1956، وقد قام بذبحه خال عمر البشير فرحًا بالانفصال) باسم “الاختلاف” و”الهوية”.

واليوم تُعاد نفس السردية العنصرية نحو دارفور، لكن بعد أن فشلت الحجة القديمة “لا يشبهونا وليسوا من ديننا”، جاءت رواية “عرب الشتات” من مالي والنيجر وتشاد.

اعترف النظام بالعروبة، لكن بدرجة دنيا، تُستخدم وقودًا للحرب ثم تُنسى بعد انتهائها.

ونفس العقلية تلك وافقت على مضض بإدخال بعثة الأمم المتحدة إلى دارفور تحت البند السابع، لكنها أصرت أن يكون القادمون “أفارقة يشبهونهم شكلًا وفكرًا”.

حتى هنا، تم تفعيل قانون الوجوه الغريبة، ليس فقط على الشعب السوداني، بل على الأمم المتحدة نفسها.

وجوه القانون في مؤسسات الدولة

في الجيش، حمل القانون وجه الصرامة والانضباط، لكنه أخفى ولاءً حزبيًا مطلقًا.

من شروط الانضمام ذكر القبيلة وإحضار خطاب تزكية، فتكتظ صفوف الجنود بالهامش وتترسخ التراتبية مع ترميز تضليلي على مستوى قيادته.

في الشرطة، ظهر شعار “خدمة الشعب” بيد تضرب الشعب نفسه.

وفي المخابرات، تسلّل الخوف باسم “أمن الدولة”.

وفي الخارجية، تنمّق الوجه الدبلوماسي لتبييض وجه النظام في الخارج.

وجوه مختلفة، لكن القانون واحد.

الإعلام واحتكار الملامح

امتد القانون إلى الشاشات.

صار “الوجه المقبول” هو من يحمل ملامح المركز، أما التنوع الحقيقي فظل في الظل.

الكتاب الأسود كشف بالأرقام كيف حكم السودان بخريطة العرق لا بخريطة الوطن.

الشمال يمثل نحو 5.4% من السكان لكنه يحصل على 79.5% من التمثيل الحكومي الاتحادي.

الغرب يمثل نحو 32.6% من السكان لكنه لم يحصل على أي تمثيل تقريبا في الحكومة الاتحادية وقت صدور الكتاب.

توزيع المصروفات للفرد كان متفاوتًا: في الغرب ≈ 44.1% مقارنة بالشمال الذي اعتُمد كـ100%.

عوضًا عن محاولة تدارك الأخطاء والمظلومية التي وردت في الكتاب الأسود، مورِس عليه قانون الوجوه الغريبة، فحين ظهرت هذه الأرقام الصادمة تم التعامل معه باعتباره خطرًا على السرد الرسمي، فأُبعد إلا من نسخ على الإنترنت ونُشر ضمن ما يمكن تسميته بسردية المواجهة.

وفي الإعلام تكرر ذلك: تم اختيار من يشبه السلطة لا من يشبه السودان.

حتى أصبحنا لا نرى أنفسنا إلا بوجه واحد صُمم لتمثيل الجميع وهو لا يشبه أحدًا.

نجاح الترند إذا صاغه المركز

حتى في التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الحديثة، يظل قانون الوجوه الغريبة مفعّلًا.

أي ترند يخرج من المركز يُلتقطه أبناء الإثنية الحاكمة ليس لأن كل جزء منه يمثل الوطن، بل لأن من تم التمتع عليه ولم يُصنّف غريبًا في بلده يمتلك القدرة على تحويل أي حدث إلى حكاية رسمية تُتداول كما يروق لهم.

أما أي مأساة تحدث في الغرب، فلن تجد حظها في الإعلام، لأن أدوات الانتشار بيد المركز، ودرجة التعليم والتمكين التكنولوجي في كثير من مدن غرب وشرق السودان محدودة أو معدومة، ما يجعل السيطرة على السرد سهلة ويضمن استمرار هيمنة الوجه المقبول على كل ما يُعرض للجمهور.

حتى ترند عالمي أنقذوا السودان (حملة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وصلت لجمهور دولي وتم قمعها محليًا) تم إيقافه بسرعة، لأن المركز لا يريد أن تتوقف الحرب، وإنقاذ السودان ليس من أولوياته، فالولايات الشمالية الآمنة لا تحتاجه أصلاً.

الواقع المصمم في الغرب

في عام 2004، قصف مسجد مدينة طويلة واجتاحت القوات النظامية المدينة واغتصبت أكثر من أربعمائة طالبة ومعلمة في داخلية البنات.

لم تكن الجريمة حادثة حرب فحسب، بل كانت تصميمًا متعمدًا للواقع: أن يتحول التعليم في الغرب إلى مخاطرة وأن تدفع الأسرة شرفها ثمنًا لطموح ابنتها.

فأصبح العرف الخفي: لا تعليم للنساء.

هكذا صنع القانون عرفه الخاص بلا نص وبلا قاضٍ.

التحكم في مفهوم النزاهة

الجيش، بصراحة، والفن لا يلتقيان إلا عبر فرع الموسيقى العسكرية الذي يختص بالأغاني الجهادية وألحان الحماسة، لتصبح الثقافة صوتًا مهيمنًا يعكس ولاء المؤسسة أكثر من أي رؤية فنية مستقلة.

في مرحلة لاحقة ظهرت فنانة معروفة بعلاقاتها العابرة للحدود وتعثرها في القراءة لعدم التعليم الكافي، وغنت أغنية بعنوان “الشريف مبسوط مني”.

فالطبيعي أن لا يحدث تقاطع بين خطها وقيمها وخط الجيش، لكنها لم تكن وجهًا غريبًا، فتم اختيار مكان لها تموضعت فيه بكل ثقلها التاريخي، ليصبح الوجه المقبول جزءًا من منظومة السيطرة.

القانون يعرف أن الوجوه اللينة تمتص الغضب وتخدر الوعي.

فصار الشرف وظيفة والغناء سياسة والانحدار ذوقًا عامًا.

الانحدار المتعمد

وحين عُيّن من لا يحمل مؤهلًا جامعيًا في موقع حساس لم يكن الأمر صدفة.

الاختيار تم بعناية تضمن استمرار الانحدار في كل شيء: الفكر، والذوق، واللغة، والسلوك.

الصخب صار مؤهلًا، والرداءة أصبحت معيارًا.

وهكذا لم يعد النظام فاسدًا فحسب، بل صار الانحدار جزءًا من تصميمه.

تكييف العقول

الهدف لم يكن فقط اختيار الوجوه الخاطئة، بل إعادة صياغة وعي الناس لتقبلها.

تدريجيًا صار الانحدار طبيعيًا، والجدية مملة، والإبداع الحقيقي يوصف بالتعقيد.

القانون لم يعد يُدار من المكاتب، بل من داخل الرؤوس.

تم تطبيع الفوضى، وتجميل الانكسار، وتحويل المأساة إلى تسلية.

فما عاد الانهيار يُقاوم، بل يُصفق له.

وهكذا اكتمل التصميم: قانون يختار الوجوه بعناية ليعيد تشكيل الذوق والضمير والذاكرة.

ربما العلة أعمق

ربما لم تكن المشكلة في الوجوه فحسب، بل في المرآة نفسها.

فالجيش الذي ننتظر منه أن يحمينا لم ننشئه نحن.

خرج إلى الوجود بأمر الاحتلال في العام 1925، يحمل عقيدة ليست من لحمنا ولا من ذاكرتنا، وانخرطت فيه قبائل محددة رسمت لها حدود النفوذ والسلاح كما رسمت خرائطنا بالمسطرة ذاتها.

لم ينتبه السودانيون في لحظة استقلالهم عام 1956 إلى أن التحرر لا يكتمل برفع العلم، بل بإعادة هندسة المؤسسات التي ورثت روح المستعمر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!