رأي

الاستنفار وتجييش الشعب يُعبّد الطريق نحو الجحيم

الخبير الامني والعسكري د.مجدي شريف

الاستنفار وتجييش الشعب يُعبّد الطريق نحو الجحيم

 الخبير الأمني والعسكري د. مجدي شريف

ليست الدعوة إلى الاستنفار الشعبي ظاهرة جديدة في العالم، لكنها في الحالة السودانية تُعبّر عن مرحلة خطيرة تتجاوز منطق الدفاع عن الوطن إلى تجييشٍ عشوائي يفتح الأبواب أمام الفوضى والانهيار الأمني. فحين يُسلَّح المواطن خارج منظومة الدولة، وحين تتحوّل الحماسة العاطفية إلى بديلٍ عن الرؤية الاستراتيجية، يكون الوطن بأسره على حافة الهاوية.

إن أخطر ما في تجييش الشعوب ليس السلاح في حد ذاته، بل تشويه الوجدان الإنساني، وتحويل الفرد من مواطنٍ مسالم إلى مقاتلٍ محتمل. فحين يُغرس في عقول الناس أن القتل بطولة، وأن الحرب قدرٌ لا مفرّ منه، تُمحى الحدود بين العدو والصديق، وتُستباح الحياة تحت شعاراتٍ فضفاضة. هنا لا تعود الدولة هي من يحتكر العنف المشروع، بل يصبح العنف متاحًا للجميع، فينهار ميزان الأمن، وتضيع فكرة الوطن لصالح الولاءات الضيقة.

من منظور الأمن القومي، فإن أي استنفارٍ جماهيري في بيئةٍ يغيب فيها ضبط السلاح هو مغامرةٌ تقترب من الانتحار الجماعي. فالسودان اليوم يغرق في بحرٍ من السلاح المنتشر بين الأفراد والمجموعات، دون قاعدة بيانات أو رقابة أو سيطرة مركزية. في مثل هذا الواقع، تصبح الدعوة إلى الاستنفار وصفةً جاهزة لانفجارٍ شامل، إذ لا يمكن التمييز بين الدفاع الشرعي وبين الفوضى المسلحة. إن الأمن القومي لا يُصان بتوزيع البنادق، بل ببناء الثقة بين الدولة والمواطن، وبسيطرةٍ مؤسسية تضمن ألا يتحول المواطن إلى مشروع تهديد.

تجارب الدول التي عرفت الحروب الأهلية تثبت أن عسكرة المجتمع كانت دائمًا بوابة الانهيار. فحين فقدت الصومال احتكار الدولة للسلاح، تفككت مؤسساتها وتحولت إلى كانتونات عشائرية متناحرة. وحين أُطلق السلاح في ليبيا تحت شعار “الدفاع الشعبي”، انتهى الأمر بانتشار المليشيات والعصابات وتفكك الدولة. وفي اليمن وسوريا، أدى تجييش المدنيين إلى استدامة الحرب بدل إنهائها. هذه النماذج ليست بعيدة عنا، بل تشبه إلى حدٍ كبير ما يمكن أن ينحدر إليه السودان إذا استمر منطق الاستنفار العشوائي.

أما من الناحية الجنائية، فإن الاستنفار وما يصاحبه من تسليحٍ غير منضبط يفتح الباب واسعًا أمام الجريمة المنظمة. إذ سرعان ما تتحول البنادق من أدواتٍ للحماية إلى وسيلة للابتزاز، وتتشكل مجموعات مسلحة خارج سلطة القانون تمارس النهب وتهريب السلاح والمخدرات. التجارب الأمنية تُظهر أن المجتمعات التي انتشر فيها السلاح فقدت السيطرة على أمنها الداخلي، وأصبح المواطن مهددًا من جاره قبل عدوه. كما يؤدي انتشار السلاح إلى تآكل ثقة الناس في مؤسسات الدولة، فتنهار المنظومة الأمنية من داخلها.

الخطر الأكبر أن يتحول الاستنفار إلى ثقافةٍ عامة، تُربّي الأجيال على العنف بوصفه وسيلةً مشروعة لحل الخلافات. هنا يصبح المجتمع أسيرًا لثقافة الحرب، وتُغتال ثقافة السلام في المهد. إن الطفل الذي يرى السلاح جزءًا من يومه، لن يعرف لاحقًا معنى التعايش، ولن يثق في القانون ولا في الحوار. وتلك هي المأساة التي تستمر لأجيال، إذ تزرع الخوف والكراهية في بنية المجتمع، وتحوّل الوطن إلى معسكرٍ دائمٍ لا يعرف الطمأنينة.

إن السلام ليس خيارًا ناعمًا أو ضعفًا كما يظن دعاة الحرب، بل هو ذروة القوة والعقلانية. فبناء ثقافة السلام هو الركيزة الأولى لأي أمنٍ قومي مستدام. الدول التي نهضت من رماد الحروب لم تفعل ذلك عبر المزيد من القتال، بل عبر التربية المدنية، والعدالة الانتقالية، والمصالحة الوطنية. أما أولئك الذين استمرؤوا الاستنفار فقد خسروا الدولة والمجتمع معًا.

على المجتمع السوداني أن يدرك أن الحرب لا تصنع أمنًا، وأن السلاح لا يصنع كرامة. فكرامة المواطن في حياته، لا في موته. وأمن الوطن في استقراره، لا في فوضاه. إن الطريق إلى حماية السودان لا يمر عبر تجييش الشعب، بل عبر بناء مؤسسات أمنية محترفة تمتلك السلاح بعقلٍ لا بغضب، وتعمل وفق القانون لا الانفعال.

لقد آن الأوان أن نستبدل ثقافة “الاستنفار” بثقافة “الاستقرار”، وأن نعيد الاعتبار للوعي الجمعي الذي يرى في السلام مشروعًا وطنيًا لا خيارًا سياسيًا. فالذين يزرعون البنادق سيحصدون الفوضى، أما الذين يزرعون السلام فسيحصدون وطناً آمنًا قويًّا قادرًا على حماية نفسه دون أن يدمّر ذاته.

إن تجييش الشعوب قد يبدو في لحظةٍ ما حلاً سريعًا، لكنه في جوهره الطريق المعبّد نحو الجحيم. ولن ينجو السودان إلا حين يدرك أن أعظم معاركه ليست في الميدان، بل في بناء دولةٍ آمنةٍ تحمي المواطن لا أن تدفعه إلى الموت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!