
حامد نحوله
يمثل المجلس العدلي في حكومة تأسيس واحداً من أبرز أعمدة المنظومة القضائية الاستثنائية، إذ يُنظر إليه باعتباره أعلى مرجع قضائي يُعنى بالنظر في الجرائم التي تمس أمن الدولة واستقرارها. وتكمن خصوصيته في كونه هيئة ذات طابع نهائي، حيث تصدر أحكامه مبرمة لا تقبل الطعن أو المراجعة، سواء بالطرق العادية أو غير العادية، الأمر الذي يمنحه قوة قانونية حاسمة في حسم القضايا الكبرى.
يتكون المجلس العدلي من رئيس أول لمحكمة التمييز وأربعة من كبار القضاة، بما يعكس مستوى عالياً من الخبرة القانونية والرصانة المهنية. وتُحال القضايا إليه بمرسوم صادر عن مجلس الوزراء، ما يجعله مرتبطاً بالسياق السياسي للدولة، لكنه في ذات الوقت يُفترض أن يعمل وفق معايير العدالة المجردة وسيادة حكم القانون.
وتبرز أهمية المجلس العدلي في هيكليته وصلاحياته الواسعة، حيث يُعيَّن المحقق العدلي بقرار من وزير العدل بناءً على توصية مجلس القضاء الأعلى، ويتمتع بصلاحيات كبيرة في التحقيق، تشمل إصدار مذكرات التوقيف ومباشرة الإجراءات الجنائية في القضايا ذات الطابع الخطير. كما يضطلع المجلس بدور محوري في الإشراف على المسار المهني للقضاة، من تعيينات وتنقلات وترقيات، إضافة إلى صلاحيات رفع الحصانة والتأديب وسد الشواغر داخل الجهاز القضائي.
وفي فترات الانتقال السياسي، يحل المجلس العدلي محل بعض الهياكل القضائية الدائمة، مما يجعله أداة مهمة لضمان استمرارية العدالة وعدم تعطلها، خاصة في ظل الأزمات السياسية والأمنية التي تمر بها البلاد. كما يُعد ملاذاً أخيراً لضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم الجسيمة من العقاب، بما يعزز ثقة المواطنين في النظام القضائي.
ورغم ما يحيط بعمله من نقاشات، يبقى المجلس العدلي مؤسسة محورية في مسار بناء دولة القانون، حيث يتطلب نجاحه تعزيز الضمانات التي تكفل استقلاليته، وترسيخ مبادئ الشفافية والنزاهة في جميع إجراءاته.
إن جوهر دور المجلس العدلي يكمن في تحقيق التوازن بين سرعة العدالة وهيبة القضاء، بما يضمن إنصاف الضحايا وترسيخ سيادة القانون، ليظل أحد أهم ركائز العدالة في المرحلة الانتقالية.




