رأي

حين يتحوّل الإيمان إلى قسوة: قراءة في منطق القوة لدى جماعات الإسلام السياسي

عبدالرحمن أبو رندة... بنسلفانيا

 

عبد الرحمن أبو رندة.. بنسلفانيا 

في لحظةٍ تحوّل فيها الإيمان من تجربة روحية إلى آلية ضغط، ينهار الأفق الأخلاقي للمجتمع ويأخذ مكانه منطق القوة. هذا المنطق لا يُترجم بالضرورة إلى سيفٍ ظاهر فحسب، بل يتخذ أشكالًا دقيقةً من الإكراه الرمزي والتشريعي والاجتماعي؛ ليصبح الإيمان مبررًا للهيمنة، والفضيلة ذريعةً للاستعلاء، والاختلاف تهديدًا يستوجب القمع أو الإقصاء.

لا تكمن خطورة هذه الذهنية في عنفها المادي وحده، بل في قدرتها على تحويل المؤسسات والممارسات الثقافية إلى أدوات لإنتاج الطاعة. تتحول المدارس إلى منابر للتدجين، والجامعات إلى حظائر لإنتاج خطابٍ موحد، والإعلام إلى آلةٍ للتطويع. بهذا الأسلوب تخضع المعايير المهنية والأكاديمية لقانون الولاء، وتُهمش الكفاءات عبر استبدال الجدارة بمقاييس الانتماء.

العملية ليست عشوائية؛ إنها استراتيجية منهجية تستثمر الخوف واليقين المطلق لإحكام السيطرة. تُبنى سردياتٌ تختصر العالم إلى ثنائيةٍ صارمة: «معنا أو ضدنا»، وتُلغى المعاني الوسطى التي تُشكّل فضاءات التفاهم. في هذا الفضاء، تُشرعن المواقف القسرية وتُقدّس ممارسات تُقوّض حق الآخرين في الاختلاف والتعبير والتعدد.

الأمر الأكثر إيلامًا أن هذا المنطق لا يبتعد عن نصوص وشعائر دينية بقدر ما يمارس تفسيرًا لهما يخدم آليات السلطة. حيث يُستعمل الخطاب المقدّس لتبرير قرارات سياسية واقتصادية تُفضي إلى إفقار مجتمعات بأكملها وتهميش فئات واسعة. وهكذا يتحول الدين من مرجعية للرحمة إلى غطاءٍ لعمليات نهبٍ واستحواذ.

كما أن آفة منطق القوة أنها تولّد تبعية معرفية؛ فالمعرفة هنا ليست سعيًا للبحث عن الحقيقة، بل أداة لإعادة إنتاج السلطة. المناهج التعليمية تُعاد صياغتها لتنتج مواطنًا مستعدًا للامتثال، والبحث العلمي يُقيّد بما يتوافق مع الأطر الأيديولوجية. ونتيجة ذلك، يعيش المجتمع حالةً من شلل فكرِيّ يجعل كل محاولة لإعادة تركيب الوعي الوطني تبدو كتمردٍ على «النظام الطبيعي» الذي أقيم عليه الحكم.

انتشار ثقافة الإكراه يترك أثره الخصيب على الاقتصاد أيضًا. تتحول الموارد العامة إلى أدوات تمكينٍ لدوائر ولائية، بينما تُغلق أبواب الفرص أمام أصحاب الكفاءة الحقيقية. يتحول السوق إلى فضاءٍ تُكرّس فيه الولاءات لا القيمة، ويُصبح النمو الاقتصادي مجرد غطاءٍ لإعادة توزيع الثروة بين الحلقات الموالية. في هذه الدائرة، تُقوّض العدالة الاجتماعية وتزداد الفجوات، فتتعمق مظاهر الاغتراب والاستياء.

ورغم كل ذلك، فإن مواجهة هذا المنطق لا تكون بسياسات قهرية أخرى، بل بعمل ثقافي مؤسسي طويل الأمد. المطلوب تعليمٌ يعيد للفضيلة معانيها الإنسانية، ووسائل إعلامٍ مسؤولة تعيد قيمة الحوار، ومؤسسات مدنية تُقوى من الأسفل لتتحول إلى منابر للمساءلة والشفافية. لا يكفي إدانة العنف المادي إذا لم نعمل على تفكيك آليات التشجيع الرمزي والاجتماعي له.

إعادة بناء الوطن هنا تعني بالأساس تحرير الروح الدينية من أسر السُلطة، وإعادة صياغة العلاقة بين الدين والسياسة على أسسٍ تحمي الحريات الفردية والجماعية. يجب أن يُستعاد الدين كقيمةٍ أخلاقية تُعزّز العدل والرحمة، لا كسجلٍّ يمنح امتيازاتٍ أو يسوّغ إقصاءً.

الخطوة الأولى في هذا المسار هي الاعتراف بوجود المشكلة: أن هناك منظومةً فكريةً جعلت من الانغلاق والتعصب سننًا اجتماعية مقبولة. بعدها تأتي التربية على التسامح والاحترام المتبادل، وإعادة تأهيل المؤسسات التعليمية والثقافية لتكون حاضنةً للتنوير لا للتكلّس.

في النهاية، لا ينهزم العنف الحقيقي بمجرد سحب السلاح من الشارع، بل عندما يُهزم في العقول والقلوب. حين تُستعاد روح التساؤل والحرية والمسؤولية، يتلاشى منطق القوة تدريجيًا، وتعود الأرض لاحتضان الحوار بدلاً من أن تكون ميدانًا للتصفية. هذا هو التحدي الحقيقي: أن نبني مجتمعًا يفهم أن الإيمان لا يحتاج إلى قسر، وأن الوطن لا يُحفظ إلا بالعدالة والكرامة لكل أبنائه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!