رأي

السودان نموذج الإيديولوجيا وازدواجية المعايير: أزمة الهوية والسياسة

سهيبة مريش ... نيالا البحير

 

سهيبه مريش… نيالا البحير 

تتجلى في المشهد السوداني اليوم ظاهرتان مترابطتان: الإيديولوجيا وازدواجية المعايير، اللتان تتداخلان في الساحة السياسية والاجتماعية وتشكلان أحد أهم أسباب الانقسام والتوتر. الإيديولوجيا تشير إلى مجموعة من الأفكار والمبادئ التي تشكل أساس الفهم والتحليل للأحداث، سواء كانت سياسية، اقتصادية، دينية، أو اجتماعية، وهي تعكس التوجه والسلوك لكل فرد أو جماعة. أما ازدواجية المعايير، فهي تطبيق قواعد مختلفة في مواقف متشابهة، غالبًا بما يخدم مصالح شخصية أو اجتماعية، لتظهر التفاوت في العدالة والتقييم بحسب الولاءات والأفكار الإيديولوجية.

عندما تتقاطع الإيديولوجيا مع ازدواجية المعايير، تنتج مواقف غير متناسقة وغير عادلة، إذ تُطبَّق القواعد بشكل انتقائي وفق الولاءات أو المصالح الشخصية، مما يؤدي إلى فقدان الثقة بين المكونات المختلفة ويزيد من الاستقطاب الاجتماعي. ويظهر ذلك بوضوح في الانقسامات السياسية في السودان، حيث تتبنى الأحزاب والجماعات المختلفة إيديولوجيات متباينة، متهمة الطرف الآخر بعدم النزاهة والانحياز، بعيدًا عن العقد الاجتماعي الذي يُفترض أن يحكم العلاقة بين الدولة والمجتمع.

هذا الخلل المعرفي والمعياري أنتج صراعات إقليمية في دارفور، جنوب كردفان، والنيل الأزرق، حيث تتداخل العوامل الإثنية والدينية والاقتصادية، وتفرض لكل منطقة خصوصيتها التي يمكن أن تتماشى مع العقد الاجتماعي المفترض. ومن هنا نجد أن الخطاب السياسي غالبًا ما يُوظَّف إيديولوجيًا لتبرير الصراعات وكسب التعاطف داخليًا وخارجيًا، كما حدث مع حركات الكفاح المسلح التي تبنت خطاب التهميش الإثني لتحقيق مكاسب سياسية محددة، ما أدى لاحقًا إلى حروب أهلية وانعدام الأمن لمكونات أخرى.

السودان، بتركيبته المتنوعة من شعوب وعرقيات وأديان وعادات وتقاليد، يعكس النسيج الاجتماعي المعقد الذي يجعل من أي تطبيق غير متوازن للقانون والمعايير خطراً على الوحدة الوطنية. فازدواجية المعايير في المؤسسات الرسمية والقطاعات المختلفة، سواء في تطبيق القانون أو معالجة المخالفات، غالبًا ما تتجلى بحسب الانتماءات السياسية أو الإثنية، ما يزيد من شعور التهميش ويولد خطابًا مضادًا لدى فئات أخرى. هذه الديناميات كانت وراء الحروب المستمرة، بما في ذلك أحداث أبريل، التي تمثل امتدادًا للاضطرابات الناتجة عن الإيديولوجيا وازدواجية المعايير.

كما أن هناك تأثيرات خارجية متشابكة تزيد من تعقيد المشهد السياسي. منذ الاستقلال، حاولت بعض الدول حماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في السودان، مما أثر على القرار الوطني. بعض هذه التأثيرات كان لها طابع ديني إيديولوجي، كما في نفوذ الدولة العثمانية التاريخي، أو دافعها سياسي واقتصادي، كما في تدخلات دول الجوار. كما أن التنافس الدولي على الموارد الطبيعية، بما فيها المعادن النادرة، جعل السودان فريسة للنفوذ الإقليمي والدولي، مما عزز من تفاقم ازدواجية المعايير وسيطرة الإيديولوجيات على المشهد الوطني.

كل هذه المعطيات تؤكد أن أزمة السودان ليست مجرد صراع سياسي، بل تعكس أزمة في الفكر والإدارة الاجتماعية والسياسية. الإيديولوجيا وازدواجية المعايير شكلتا نموذجًا معقدًا للانقسام، جعلت من توازن السلطة الوطنية أولوية صعبة التحقيق، ومن حماية الحقوق والعدالة مهمة مستمرة ومرهقة، تتطلب إعادة بناء للوعي الوطني وإصلاح شامل للمؤسسات والممارسات.

إن فهم هذه الظواهر وربطها بالسياسات الداخلية والخارجية، يعتبر خطوة أساسية لإدراك حجم التعقيدات التي تواجه السودان، وللتفكير في حلول شاملة تضمن عدالة الحوكمة، المساواة بين المكونات، والحد من الاستقطاب السياسي والاجتماعي.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!