
عبدالعزيز بخات المحامي
ليست الحروب وحدها هي التي تسقط الدول وتدمر المجتمعات، فكم من وطن نجا من نيران المعارك ثم سقط تحت وطأة الانقسام والكراهية والعصبيات الضيقة. إن أخطر ما يهدد السودان اليوم ليس فقط استمرار الحرب، وإنما ذلك التآكل البطيء لفكرة المواطنة لصالح الانتماءات القبلية والجهوية والسياسية التي تتقدم أحياناً على الانتماء للوطن نفسه.
لقد كشفت الحرب السودانية عن جرح عميق ظل يتسع عبر عقود طويلة، يتمثل في هشاشة الشعور الوطني أمام صعود الهويات الضيقة. فحين يصبح الإنسان موضع شك بسبب قبيلته أو منطقته أو لغته أو خلفيته الثقافية، فإن الدولة تكون قد فقدت أحد أهم أسس بقائها، وهو مبدأ المساواة بين المواطنين.
إن الوطن لا يُبنى على روابط الدم وحدها، ولا على العصبيات المحلية، ولا على الولاءات المؤقتة، وإنما يُبنى على عقد اجتماعي يجعل الجميع متساوين أمام القانون، ومتساوين في الحقوق والواجبات، ومتساوين في فرص الحياة الكريمة والمشاركة في صناعة المستقبل.
لقد دفعت البلاد ثمناً باهظاً للحرب. قُتل الآلاف، وشُرد الملايين، وتعطلت المدارس والمستشفيات، وتضرر الاقتصاد، وانهارت مؤسسات كانت تمثل ركائز الاستقرار الوطني. لكن الخسارة الأكبر ربما تتمثل في تمدد خطاب الكراهية والتخوين والتحريض، حتى بات بعض السودانيين ينظرون إلى بعضهم البعض من خلال الانتماءات الضيقة بدلاً من الانتماء الوطني الجامع.
وهنا تبرز المواطنة باعتبارها ليست مجرد مفهوم قانوني أو شعار سياسي، بل مشروعاً أخلاقياً ووطنياً متكاملاً يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والدولة. فالمواطنة الحقيقية تعني أن تكون قيمة الإنسان مستمدة من إنسانيته وحقوقه، لا من قبيلته أو جهته أو دينه أو موقعه الاجتماعي.
الدول الحديثة لا تُدار بمنطق الامتيازات الوراثية أو الاصطفافات القبلية، وإنما تقوم على الكفاءة والعدالة وتكافؤ الفرص. فليس هناك مواطن أفضل من مواطن بسبب نسبه أو قبيلته، ولا منطقة أولى بالرعاية من منطقة أخرى بسبب قربها من مراكز النفوذ. الدولة العادلة لا تعرف سوى معيار واحد هو المواطنة المتساوية.
إن أخطر ما أنتجته الحروب في مختلف أنحاء العالم ليس الخراب المادي وحده، بل انهيار الثقة بين مكونات المجتمع. وعندما تنهار الثقة تتراجع فرص السلام، ويصبح بناء الدولة أكثر تعقيداً. لذلك فإن استعادة الثقة بين السودانيين تمثل إحدى أهم معارك المرحلة المقبلة، وهي معركة لا يمكن كسبها إلا عبر ترسيخ قيم المواطنة وسيادة القانون والعدالة.
وتبدأ المواطنة من احترام الإنسان. فلا يمكن الحديث عن وطن مستقر بينما يتعرض المدنيون للخوف أو التهجير أو الإقصاء أو التمييز. ولا يمكن بناء دولة حديثة إذا أصبحت الكراهية وسيلة للتعبئة السياسية أو الاجتماعية. فاحترام حياة الإنسان وكرامته وحريته هو الأساس الذي تُبنى عليه كل القيم الوطنية الأخرى.
كما أن المواطنة لا تنفصل عن الصدق. فالأمم لا تنهض بالأكاذيب، ولا تُبنى الثقة بالتضليل، ولا تستقر الدول حين يصبح الزيف بديلاً للحقيقة. إن الصدق في العمل العام، وفي الإعلام، وفي السياسة، وفي المؤسسات، يمثل حجر الأساس لأي مشروع وطني جاد.
وفي زمن الحرب تتضاعف أهمية الحقيقة. فالشائعة قد تقتل كما تقتل الرصاصة، والخطاب المحرض قد يشعل نزاعاً جديداً، والمعلومة المضللة قد تدفع مجتمعات كاملة نحو العنف والانتقام. ولهذا فإن المسؤولية الوطنية تقتضي التحقق من المعلومات قبل تداولها، ورفض المشاركة في حملات التشويه والتحريض والتخوين.
ومن هنا تبرز أهمية المواطنة الرقمية بوصفها امتداداً طبيعياً للمواطنة الحديثة. فكل مستخدم للفضاء الإلكتروني أصبح شريكاً في تشكيل الوعي العام. والكلمة التي تُنشر على شاشة الهاتف قد تساهم في صناعة السلام أو في تأجيج الصراع. ولذلك فإن الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا لم يعد خياراً، بل واجباً وطنياً وأخلاقياً.
المواطن الرقمي الواعي لا يروج للأخبار الكاذبة، ولا يشارك في نشر العنصرية، ولا يستخدم المنصات الإلكترونية للإساءة إلى الآخرين أو التحريض ضدهم. بل يوظفها لنشر المعرفة، وتعزيز الحوار، وترسيخ ثقافة التسامح واحترام التنوع.
ولا تقتصر المواطنة على بعدها السياسي أو الرقمي فقط، بل تمتد إلى المجال الاقتصادي أيضاً. فحماية المال العام، ومكافحة الفساد، ورفض الرشوة، واحترام الإنتاج والعمل، كلها ممارسات تعكس وعياً مواطنياً متقدماً. إذ لا يمكن بناء اقتصاد قوي في بيئة تسيطر عليها المحسوبية والفساد والانتماءات الضيقة.
كما تتجلى المواطنة في التضامن الاجتماعي، وفي احترام كبار السن، ورعاية الأطفال، وحماية النساء، ومساندة الفئات الضعيفة، واحترام ذوي الإعاقة. فالمجتمعات التي تتكاتف في أوقات الشدائد هي الأكثر قدرة على تجاوز الأزمات وصناعة مستقبل أفضل.
أما حماية البيئة والمحافظة على الموارد الطبيعية فهي أيضاً جزء أصيل من مفهوم المواطنة. فالأرض والمياه والغابات والمراعي ليست ملكاً لجيل واحد، بل أمانة يجب الحفاظ عليها من أجل الأجيال القادمة.
واليوم، يحتاج السودان إلى ثورة في الوعي الوطني بقدر حاجته إلى أي تسوية سياسية أو ترتيبات أمنية. فالسلام لن يتحقق ما لم تتراجع القبيلة إلى مكانها الطبيعي بوصفها مكوناً اجتماعياً وثقافياً، لا بديلاً للوطن والدولة. والعدالة لن تستقيم ما لم يشعر كل مواطن بأنه متساوٍ مع غيره أمام القانون. والاستقرار لن يتحقق ما لم تصبح المواطنة هي الهوية الجامعة التي تعلو فوق جميع الهويات الأخرى.
إن مستقبل السودان لن يصنعه طرف منتصر في ساحة المعركة، بل سيصنعه شعب يؤمن بأن تنوعه مصدر قوة لا سبب للصراع، وأن القانون يجب أن يكون فوق الجميع، وأن العدالة لا تعرف القبائل ولا الجهات، وأن الوطن أكبر من كل الانتماءات الضيقة.
المواطنة ليست شعاراً سياسياً عابراً، بل مشروع نهضة وطنية كاملة. وهي الطريق الأقصر نحو السلام العادل، والتنمية المستدامة، والدولة الديمقراطية، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان.
فلنهزم القبلية والعنصرية والجهوية وخطابات الكراهية، ولنجعل المواطنة أساس الانتماء، والعدالة معيار الحكم، والقانون مرجع الجميع، والوطن المظلة التي تتسع لكل أبنائه وبناته.
فحين تنتصر المواطنة، ينتصر السودان.




