سلامُ السودان يبدأ بتحرير الدين من السياسة (دراسة تحليلية: من سقوط الإسلام السياسي إلى قيام دولة السودان الجديد)
دكتور أحمد التيجاني سيد أحمد

د. أحمد التيجاني سيد أحمد — ٤ نوفمبر ٢٠٢٥
منذ عام ١٩٨٩، بل منذ نشأة جماعة الإخوان المسلمين في مصر، التفّ المغرضون والسارقون حول الناس بشعاراتٍ مدمّرة تحت اسم «الإسلام السياسي». غير أنّ الإسلام بريءٌ من هذا التسييس، فهو دينٌ أنزله الله تعالى بواسطة رسوله الكريم، وختم به الرسالات السماوية، إذ قال سبحانه:
«اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام دينًا».
لم يُرزق النبي ﷺ بخليفةٍ أو وريثٍ من نسله، ولم يُوصِ بحكمٍ وراثيٍّ أو سياسيٍّ باسم الدين، بل أسّس في المدينة مجتمعًا مدنيًا تعدديًا، جمع بين المسلمين واليهود والمسيحيين والقبائل المختلفة في ميثاقٍ واحد، عُرف بـ «صحيفة المدينة» — ليبرهن أن الإسلام دينٌ للناس كافة، لا نظام حكمٍ باسم السماء.
في هذا المقال نُبرز، بالأدلة التاريخية والوقائع الماثلة، حجم الكارثة التي حلّت بالسودان وشعبه نتيجة استيلاء الإسلام السياسي على الحكم بالقوة. ذلك الانقلاب العسكري الذي سمّى نفسه «الإنقاذ» لم يُنقذ أحدًا، بل زوّر الوعي الوطني، وأشعل الحروب الأهلية، ودمّر منظومة القيم والمؤسسات، حتى غرق الوطن في مستنقعٍ من الفساد والدماء رُفع فيه شعار الدين زورًا، واتُّخذ اسم الله ستارًا للبطش والثراء الحرام.
ما حاق بالسودان من جرّاء استغلال الدين في السياسة
منذ أن استولى الانقلاب الكيزاني عام ١٩٨٩ على السلطة، دخل السودان مرحلةً من الخراب الممنهج باسم الدين. لم يكن ذلك انقلابًا سياسيًا فحسب، بل مشروعًا لتدمير الدولة المدنية واستبدالها بدولةٍ أيديولوجية تُخضع المواطن لعقيدة الحزب، لا لسيادة القانون.
لقد بدأ الإسلاميون بتفكيك مؤسسات الدولة القومية التي بُنيت منذ الاستقلال، فتمّ إحالة آلاف الكفاءات إلى الصالح العام، وزُرعت أجهزة الأمن والفساد في كل مرفقٍ من مرافق الدولة. تمّت خصخصة الموارد العامة وتحويلها إلى شركاتٍ تابعة للتنظيم، واحتُكرت التجارة، والذهب، والنفط، والاتصالات، باسم «التمكين» الذي صار شعار المرحلة.
وفي الريف، أشعل النظام حروبًا أهلية تحت راية «الجهاد»، فاستُبيحت دارفور، وجبال النوبة، والأنقسنا، والشرق، باسم الدين، بينما كانت الحقيقة حربًا من أجل السيطرة والنهب. قُتل مئات الآلاف من المدنيين، ونُزح الملايين، وتحوّلت المساجد إلى منابر للدعاية السياسية، والخطب إلى أدواتٍ لتكفير المعارضين وتشويه الثوار.
أما الاقتصاد، فقد انهار تمامًا تحت وطأة الفساد والعقوبات والعزلة، إذ باع النظام الأرض والثروات للأجانب، ورهن مستقبل السودان للديون والجهل والانقسام. تراجع التعليم، وانحدرت القيم، وصار الدين غطاءً لكل أنواع النفاق والثراء الحرام. واليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود من حكم الإسلام السياسي، لم يبقَ من السودان إلا ما حفظته الثورة ووعي الناس.
مراحل سقوط الإسلام السياسي
إنّ الإسلام السياسي لم يسقط فجأة، بل تهاوى عبر مراحلٍ متعاقبة، رصدها التاريخ في تجارب متشابهة من مصر إلى السودان، ومن إيران إلى أفغانستان. وفي السودان تحديدًا، يمكن تتبّع هذا السقوط في أربع مراحل رئيسية:
١. مرحلة الخداع والشعار (١٩٨٩ – ١٩٩٩): رفع الكيزان شعار «هي لله» وخدعوا الجماهير بالدين وهم يبيّتون الانقضاض على السلطة.
٢. مرحلة التمكين والفساد (٢٠٠٠ – ٢٠١٠): تحوّل الخطاب من الدعوة إلى النهب المنظم، وظهرت طبقة الأثرياء الإسلاميين.
٣. مرحلة التمزق والانقسام (٢٠١١ – ٢٠١٨): جاء انفصال الجنوب دليلاً على انهيار المشروع الحضاري وسقوط فكرته.
٤. مرحلة السقوط والفضيحة (٢٠١٩ – ٢٠٢٥): ثورة ديسمبر كشفت المستور وأسقطت النظام، فظهر الإسلام السياسي عاريًا بلا شرعية.
لماذا سقط الإسلام السياسي؟
سقط الإسلام السياسي لأنه قام على الادعاء لا الفكرة، وعلى الخداع لا الإيمان. أراد أن يُقدّس السياسة ويُسيِّس الدين، ففقد الاثنين معًا.
١. سقوط الفكرة: خلط الدين بالدولة وجعل الإيمان وسيلة للحكم، فأساء للدين قبل الوطن.
٢. سقوط الأخلاق: رفعوا شعار الزهد، فعاشوا في القصور ونهبوا المال العام.
٣. سقوط الإنسان: مارسوا القمع والتكفير فدمّروا الإنسان السوداني، جوهر النهضة.
٤. سقوط المشروع: انقسمت الحركة إلى ميليشيات ومصالح شخصية بلا رؤية.
٥. سقوط الغطاء الخارجي: تبرأ منهم حتى حلفاؤهم حين أدركوا أن مشروعهم لا يجلب إلا الفوضى والعزلة.
نحو ميلاد السودان الجديد
لقد انتهى زمن الشعارات الجوفاء، وسقطت دولة الكذب التي تاجر أصحابها بالدين وبدّدوا القيم والمقدّرات. واليوم، يقف السودان على عتبة ميلادٍ جديد لا يشبه ما قبله. فمن رحم هذا الخراب الطويل، يولد وعيٌ جديد، وجيلٌ لا يخاف الحقيقة، عرف أنّ الدين لله، والوطن للجميع، وأنّ الحرية لا تُستأذن.
إنّ ميلاد السودان الجديد ليس ردّ فعلٍ على الماضي، بل مشروعٌ وطنيٌّ شامل يعيد بناء السودان على أسسٍ جديدة:
• مدنيةٌ في حكمها، لأنّها تؤمن بأن الشعب مصدر الشرعية.
• عادلةٌ في تقسيم السلطة والثروة، لأنّها تدرك أنّ الظلم هو أصل الحروب.
• ديمقراطيةٌ في مؤسساتها، لأنّها ترى في النقد والمساءلة طريقًا للإصلاح لا جريمة.
• روحانيةٌ بلا كهنوت، تستلهم مقاصد الأديان العليا في العدل والحرية والمساواة، دون أن تحتكر دينًا بعينه أو تتحدث باسمه.
لقد أثبتت تجربة السودان أنّ الإسلام السياسي لم يكن سوى قناعٍ للاستبداد، وأنّ الدولة التي تُبنى على الخداع تنهار مهما طال بقاؤها. أما الدولة التي تُبنى على الصدق والمعرفة والضمير الجمعي، فإنها وحدها القادرة على البقاء.
ولذلك فإن مسؤوليتنا التاريخية اليوم هي تشييد دولةٍ تتجاوز الانقلابات والعقائد المغلقة، وتفتح الباب لنهضةٍ إنسانيةٍ حقيقية، تُعيد للسودان مكانته بين الأمم، وتُعيد للإنسان السوداني كرامته وحقه في أن يعيش حرًّا على أرضه.



