السودان ومصر بين اتفاق الدفاع المشترك وسيادة القرار الوطني: لماذا تُعد حكومة تأسيس ضرورة تاريخية؟
خضر كوة

خضر كوة
في ديسمبر 2025، أعاد اللقاء الذي جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي برئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان ملف العلاقات العسكرية بين السودان ومصر إلى واجهة الجدل السياسي، بعد تأكيد السيسي على تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين، بحجة حماية وحدة السودان وسلامة مؤسساته. هذا التصريح، في ظل حرب داخلية مدمرة وانقسام سياسي عميق، يطرح أسئلة قانونية وسيادية لا يمكن تجاوزها.
تعود اتفاقية الدفاع المشترك بين السودان ومصر إلى 15 يوليو 1976، وقد صيغت في سياق إقليمي مختلف، وهدفت أساسًا إلى مواجهة أي اعتداء خارجي والتنسيق العسكري والأمني بين الدولتين. غير أن تقارير سودانية أشارت إلى إلغاء الإعلان عن تطبيق هذه الاتفاقية في أبريل 1989، دون أن يصدر نص رسمي مصري موثق يؤكد أو ينفي ذلك. هذا الغموض القانوني يجعل أي حديث عن “تفعيل” الاتفاقية اليوم محل تساؤل مشروع: أي نص يُفعَّل؟ وتحت أي ظرف؟ وبأي تفسير؟
وفقًا للقانون الدولي، فإن اتفاقيات الدفاع المشترك لا تُطبق على النزاعات الداخلية أو الحروب الأهلية، ما لم ينص الاتفاق صراحة على ذلك. وأي تدخل عسكري أو أمني لدولة أجنبية في نزاع داخلي، تحت غطاء اتفاقيات ثنائية، يُعد انتهاكًا للسيادة الوطنية وخرقًا لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. من هنا، فإن محاولة توسيع تفسير الاتفاقية لتشمل الصراع السوداني الحالي تمثل سابقة خطيرة، لا تهدد فقط سيادة السودان، بل تفتح الباب أمام تدويل الأزمة وتعقيدها.
في هذا السياق، تبرز الحاجة الملحّة إلى قيام حكومة تأسيس تمتلك شرعية سياسية ورؤية وطنية شاملة. فالمعركة اليوم لم تعد عسكرية فقط، بل دبلوماسية وقانونية بامتياز. على حكومة تأسيس أن تتحرك إقليميًا ودوليًا لفضح أي محاولات لتبرير التدخل الخارجي في الشأن السوداني، وأن توضح للمجتمع الدولي أن حماية السودان لا تكون عبر عسكرة أزمته، بل عبر دعم مسار السلام والتحول المدني.
كما أن السودان بحاجة إلى قيادة دبلوماسية قوية قادرة على استعادة ثقة الداخل والخارج، وبناء وحدة وطنية حقيقية، بعيدًا عن ترك الساحة لجيش بات، وفق كثير من القراءات السياسية، يعمل ضمن أجندات خارجية ومصالح مرتبطة بالتنظيم الإخواني، أكثر من ارتباطه بمشروع وطني جامع.
إن أي تحرك قوي ومدروس من حكومة تأسيس سيكون له أثر إيجابي مباشر، ليس فقط في تحصين السيادة الوطنية، بل أيضًا في إعادة تعريف موقع السودان إقليميًا ودوليًا كدولة تسعى للسلام والاستقرار، لا كساحة صراع مفتوحة لتصفية الحسابات. وفي لحظة تاريخية كهذه، يصبح الصمت تواطؤًا، بينما الفعل السياسي الواعي هو الطريق الوحيد للإنقاذ.




