
عماد جدو
بعد أسابيع من البحث الميداني وتحليل مئات الصور الملتقطة بالأقمار الصناعية، تأكدت معلومات من مصادر داخل السودان أن قاعدة برنيس الجوية البحرية المصرية الواقعة على ساحل البحر الأحمر تُستخدم كنقطة انطلاق للطائرات المسيّرة التي تنفذ عمليات قصف داخل الأراضي السودانية.
وشملت هذه الهجمات، بحسب التقارير، مناطق كبكابية وزالنجي في دارفور وولايات كردفان، مستهدفة مناطق مدنية مأهولة بالسكان، في تصعيد خطير يضع القاهرة في خانة المتورط المباشر في الحرب الدائرة بالسودان.من وسيط الي طرف في الصراع.
ما تكشفه الأدلة ليس مجرد دعم سياسي لطرفٍ بعينه، بل تورط عسكري فعلي يخالف التزامات مصر كعضو في “الآلية الرباعية” التي يفترض أن تعمل على وقف إطلاق النار وإعادة مسار السلام.
إن استخدام الأراضي المصرية لشن هجمات على السودان يمثل انتهاكًا صارخًا لسيادة الدولة السودانية وتدخلاً فاضحًا في شأنها الداخلي، ويعيد إلى الأذهان ممارسات القوى الإقليمية التي طالما رأت في السودان ساحةً لتصفية الحسابات وليس دولةً ذات سيادة وقرار مستقل.ان المصالح المائية هي الدافع الاقدم للتدخل.
منذ عقود، ظلت قضية مياه النيل هي حجر الأساس في التفكير المصري تجاه السودان. وبعد بناء سد النهضة الإثيوبي، شعرت القاهرة بأن أوراقها القديمة تتساقط، خصوصًا بعد أن فقدت نفوذها داخل الجيشين السوداني والإثيوبي.
فقد أقدم الراحل ملس زيناوي على حلّ الجيش الإثيوبي القديم وتأسيس جيش جديد قوامه من الثوار، ما قلّص نفوذ مصر في أديس أبابا. وبقيت المؤسسة العسكرية السودانية، في نظر القاهرة، الورقة الأخيرة للحفاظ على تأثيرها في دول المصب.
ومن هنا جاء تمسك مصر بما تسميه “المحافظة على المؤسسة العسكرية بينما الحقيقة هي المحافظة على نفوذها داخل المؤسسة العسكرية السودانية.
أما الدافع الثاني فهو الاقتصاد المصري المنهك الذي يبحث عن متنفس في محيطه الإقليمي.
تمر مصر اليوم بأزمة اقتصادية غير مسبوقة، وبدلاً من معالجة الأسباب الداخلية، اختارت بعض دوائر السلطة في القاهرة تغذية الصراع السوداني بحثًا عن مكاسب اقتصادية غير مشروعة.
فاستمرار الحرب يعني بقاء تجارة التهريب والوقود والسلاح والذهب عبر الحدود، وهي تجارة تدر أرباحًا طائلة لشبكات مرتبطة بمصالح نافذة داخل النظام المصري، وفي بعض الحالات بعناصر من جماعة الإخوان التي ما زالت تجد موطئ قدمها في مفاصل الاقتصاد غير الرسمي.
التدخل المصري في الشأن السوداني ليس جديدًا، لكنه اليوم أكثر وضوحًا وفجاجة.
فالقاهرة لا تخفي رغبتها في أن تكون هي من يحدد مستقبل السودان السياسي، وهي ذات الرغبة التي حكمت علاقة دمشق ببيروت في عهد نظام الأسد، عندما تحولت الدولة اللبنانية إلى ساحة نفوذ سياسي وأمني سوري.
واليوم، تحاول مصر استنساخ النموذج ذاته في السودان، متناسية أن الشعب السوداني جرّب مرارات الوصاية الخارجية ورفضها في كل مراحل تاريخه الحديث.
السودان ليس ساحة نفوذ لأحد
إن محاولات مصر للتدخل في الصراع السوداني، سواء عبر الطائرات المسيّرة أو عبر ضغوط سياسية واقتصادية، تمثل عدوانًا على سيادة السودان، وتكشف عن ذهنية استعمارية قديمة ترى في السودان مجرد “حديقة خلفية” للمصالح المصرية.
لكن هذا التصور يتجاهل حقيقة أن السودان اليوم يعيش صحوة وطنية عميقة، وأن الأجيال الجديدة ترفض التبعية لأي جهة كانت، عربية أو أجنبية.
نحو علاقة ندّية ومصالح مشتركة
ما يحتاجه البلدان ليس مزيدًا من المؤامرات والتدخلات، بل علاقة ندّية تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
وإذا كانت القاهرة تخشى على أمنها المائي أو تبحث عن منفذ اقتصادي، فإن الطريق إلى ذلك ليس عبر دعم الحرب في السودان، بل عبر شراكة عادلة تضمن الحقوق وتبني الثقة بين الشعبين.
لقد انتهى زمن الوصاية، وآن الأوان لتدرك النخب المصرية أن السودان بلدٌ مستقل، يقرر مصيره بيده، ولن يسمح بعد اليوم لأي جهة أن تعبث بقراره الوطني.
عماد ابكر جدو 6/نوفمبر 2025م




