
د.إيلاف وداعة
دارفور تنزف، وهذه ليست عبارة إنشائية أو مبالغة عاطفية، بل توصيف دقيق لواقع مأساوي يتكرر كل يوم على امتداد الإقليم؛ من الضعين إلى الفاشر، ومن الجنينة إلى نيالا. فكل قذيفة تسقط لا تهدم منزلاً فحسب، بل تهدم معها ما تبقى من الثقة بين الناس، وتعمّق جراح مجتمع أنهكته الصراعات المتعاقبة. ولهذا يظل المطلب الأول والعاجل، الذي لا يقبل التأجيل أو المساومة، هو الوقف الشامل وغير المشروط لإطلاق النار، لأن حقن الدماء ليس بنداً تفاوضياً، بل واجب إنساني وأخلاقي يسبق كل الحسابات السياسية.
غير أن السؤال الأهم الذي ينبغي أن يطرحه أهل دارفور، بل والسودانيون جميعاً، هو: ماذا بعد توقف الحرب؟ فالتجربة القريبة والبعيدة تؤكد أن كثيراً من الهدن السابقة لم تكن سوى فترات لالتقاط الأنفاس وإعادة التموضع، قبل أن تنفجر جولة جديدة من العنف. والسبب في ذلك أن المعالجات انصبت غالباً على النتائج الظاهرة، بينما تُركت الأسباب الحقيقية دون مواجهة جادة.
إن الحرب الحالية، كما سابقاتها، ليست حدثاً منفصلاً عن السياق التاريخي، وإنما هي تعبير دموي عن أزمة ممتدة منذ الاستقلال. إنها أزمة تهميش سياسي واقتصادي جعلت أقاليم واسعة تشعر بأنها خارج معادلة السلطة والثروة. وهي أيضاً أزمة هوية لم تُحسم بصورة عادلة، وظلت تتأرجح بين انتماءات متعددة دون مشروع وطني جامع يستوعب التنوع ويحوّله إلى مصدر قوة. وفوق ذلك كله، هي أزمة مواطنة ناقصة، حيث لم تُبنَ الدولة على أساس المساواة في الحقوق والواجبات، بل على تفاوتات أفرزها القرب من المركز والبعد عنه.
من هنا، فإن إيقاف الحرب يحتاج إلى قرار سياسي، لكن بناء السلام يحتاج إلى ما هو أعمق من القرار؛ يحتاج إلى شجاعة وطنية حقيقية. شجاعة الاعتراف بالأخطاء التاريخية، وشجاعة الإنصاف وجبر الضرر، وشجاعة تقديم تنازلات متبادلة لصالح المستقبل، والأهم شجاعة قبول الآخر شريكاً كاملاً في الوطن، لا تابعاً ولا خصماً دائماً.
إن استمرار الحرب لا يصنع منتصراً حقيقياً، لأن الجميع يدفع الثمن من الأرواح والموارد والنسيج الاجتماعي. وحتى من يظن نفسه غالباً في الميدان، يبقى مهزوماً أمام ضميره والتاريخ. أما الحوار الصادق، القائم على العدالة والاحترام المتبادل، فهو وحده الطريق الذي يمنح دارفور فرصة النهوض، ويعيد للسودان فكرته التي كادت تضيع وسط دخان البنادق.




