رأي

الحرب بالوكالة.. الدور المصري في تمكين البرهان واطالة أمد النزاع 

علي سانتينو

 

علي سانتينو

من يراقب المشهد السوداني منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل، لا يحتاج إلى مجهر سياسي ليدرك أن القاهرة ليست بعيدة عن الصراع الدامي في السودان، هي أحد اللاعبين المندسين الذين يسكبون الزيت على النار ثم يتحدثون عن إطفاء الحرائق. ومنذ اللحظة الأولى التي أُسر فيها ضباط مصريون داخل قاعدة مروي العسكرية شمال السودان، انكشفت الورقة التي حاول نظام عبد الفتاح السيسي دسها خلف خطاب دبلوماسي مخاتل. لم يكن وجود أولئك العسكريين في السودان مصادفةً أو التباس تقني كما زعمت بيانات المخابرات المصرية، كان ذلك علامة فاضحة على تورط القاهرة المُبكر في دعم جيش البرهان وإعادة إنتاج مشروع عسكري يحمل ملامح الإخوان القديمة التي تتغذى على السلطة وتختبئ خلف شعارات الوطنية الزائفة

ومنذ ثورة ديسمبر في السودان، اتخذت القاهرة موقفاً عدائياً من أي تحوّل ديمقراطي في البلاد. ساندت من خلاله انقلاب 25 أكتوبر البائس، حيث احتضنت البرهان، وقدّمت له الغطاء السياسي والإعلامي، لتعيد السودان إلى عباءة الحكم العسكري وضمان بقاء الخرطوم بوابة خلفية للأمن المصري ونفوذه الإقليمي. لكن ما كان خفياً أصبح اليوم فضيحة مكشوفة للجميع، لأن الطيران المصري شارك بوضوح في ضربات عشوائيه استهدفت مناطق مأهولة بالسكان في دارفور وكردفان، هذا الاستهداف خلف دماراً ومجازر بحق المدنيين العزل، في خرقٍ فاضح للقانون الدولي ولأبسط القيم الإنسانية!

ان تاريخ القاهرة في هذا النوع من التدخلات ليس جديداً، ففي السبعينيات، وحين اشتعل الصراع بين جعفر نميري والأنصار، قصفت الطائرات المصرية منطقة الجزيرة أبا، وسقط المئات من المدنيين في مشهد دمويٍّ يعكس مدى استخفاف الأنظمة المصرية المتعاقبة بسيادة السودان وكرامة شعبه. اليوم، يعيد السيسي إنتاج ذات الجريمة تحت ذرائع مختلفة، مستخدماً التقنية الحديثة والطائرات المسيّرة بدل البراميل الحارقة والقاذفات القديمة، لكن الضحايا هم ذاتهم، الأطفال والنساء، ومدنيون تُسفك دماؤهم في حرب عبثية لا تعنيهم!

الأيام الماضية كشفت قوات الدعم السريع أن طائرة مسيّرة أقلعت من قاعدة برنيس العسكرية في جنوب مصر لتنفيذ ضربات قاتله داخل السودان، لتؤكد أن أيادي القاهرة لا تزال تعبث بخريطة الحرب، وأن حدودها الجوية باتت امتداداً لساحة المعركة . هذه ليست مشاركة استخباراتية أو تعاون عسكري تقليدي، بل تورط مباشر في قتل المدنيين وتدمير الأعيان المدنية. المفارقة المبكية أن النظام المصري، الذي يشارك في قصف السودان، يجلس في الوقت نفسه ضمن لآلية الرباعية التي يفترض أن تبحث عن حلول سلمية لإنهاء الحرب الدائرة. أي عبثٍ هذا وأي ازدواجية تفوق حدود النفاق السياسي في هذه الحالة؟

الغريب ان القاهرة التي تتحدث عن استقرار الإقليم، هي ذاتها التي تراهن على استمرار الفوضى في السودان لتبقى ممسكة بخيوط اللعبة. من الواضح ان مصر تخشى من قيام دولة سودانية ديمقراطية حرة في قرارها السياسي، لأن نجاح اي تجربة مدنية هناك يعني زلزالاً سياسياً يهدد منظومة الحكم العسكري التي يتربع عليها السيسي لسنوات. لذلك فهي تفضّل جنرالاً ضعيفاً في الخرطوم على شعبٍ قوي يقرر مصيره بحرية. ولهذا، كان دعمها للبرهان خياراً استراتيجياً لا أخلاقياً، يراد منه إبقاء السودان تابعاً، منزوع الإرادة، خاضعاً لسطوة الجنرال الأكبر في الشمال.

ان ما يجري اليوم ليس مجرد اصطفاف سياسي، هو في الواقع عدوان متخفي، يلبس عباءة الوساطة ثم يرسل الطائرات لضرب المواطنين في دارفور. يبدو ان القاهرة تستثمر في الحرب وتديرها بذكاءٍ خبيث، تارة عبر الطيران، وتارة عبر الدبلوماسية المزدوجة التي تقدم نفسها كوسيط بينما تموّل طرفاً وتغذي المعارك من وراء الستار. هذا النمط من السياسة هو جوهر الأزمة، لأنه لا يكتفي بتدمير حاضر السودان بل يهدد مستقبله ومستقبل الإقليم بأسره.

 

لقد آن الأوان لفضح هذا الدور بلا مواربة. فمصر لا يمكنها أن تكون وسيطاً نزيهاً، وفي الوقت ذاته طرف في الحرب. التاريخ سيسجّل أن الطائرات التي قصفت قرى السودان لم تكن كلها سودانية، وأن شعار الأخوة المصريين تحول إلى ستار دخاني يخفي طموحات التوسع والسيطرة، وفي كل قنبلة تسقط على دارفور أو كردفان تحمل نوايا نظام فقد بوصلته الأخلاقية، وتحوّل من حارسٍ للأمن القومي إلى سمسارٍ للدماء!

ومهما طال زمن الصمت والتواطؤ مع الجرائم المصرية، سيأتي اليوم الذي تُفتح فيه دفاتر الحساب والمحاكم، وتُسأل القاهرة عن كل جرائمها في السودان كما سُئلت ذات يوم عن قصف الجزيرة أبا. فالتاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى من قصفها، ثم يدّعى أنه تدخل لحفظ وصيانه الأمن القومي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!