حين يعلو صوتُ الوطن على ضجيجِ السلاح .. .. .. قراءة في قبول الدعم السريع بالهدنة الإنسانية
نجم الدين دريسة

نجم الدين دريسة
“ليس السلام أن نتوقف عن إطلاق النار، بل أن نتوقف عن صناعة الأسباب التي تجعلنا نطلقه.”
في اللحظات التي تتوه فيها البلاد بين فوضى السلاح وتقلّبات الحسابات الإقليمية، يبرز صوت الوطن خافتاً لكنه لا يغيب. وفي مشهد سياسي وعسكري معقّد كالذي يعيشه السودان اليوم، يصبح لخطوات الأطراف الفاعلة معنى يتجاوز المناورة إلى مساحة أكثر عمقاً: مساحة إدراك اللحظة التاريخية. في هذا السياق جاء قبول قوات الدعم السريع بالهدنة الإنسانية التي طرحتها دول الرباعية، ليضع سؤالاً أكثر خطورة على الطاولة: هل تفتح هذه الخطوة بوابة جديدة في مسار الحرب والسلام؟ أم أنها مجرّد محطة عابرة في طريق طويل من الثأر والصراع؟
منذ اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة، بدا واضحاً أن الدعم السريع قد أخذ موقعاً مختلفاً داخل المشهد الوطني، موقعاً ترك مساحة للانحياز إلى مطالب الشعب في لحظات مفصلية، بدءاً من التماهي مع الثورة، مروراً برفض الانقلاب منذ صباحاته الأولى، وصولاً إلى مواجهة القوى التي سعت لإعادة البلاد إلى مربع الردة السياسية. ولم يكن ذلك الانحياز سهلاً ولا مجانياً، لكنه أسس لصورة ذهنية مفادها أن هذه القوة، رغم تعقيدات تكوينها، تتعامل مع التحولات الكبرى بروح أقرب إلى “الخيارات الوطنية” منها إلى الحسابات العقائدية الضيقة.
واليوم، حين تعلن قبولها بالهدنة الإنسانية المقترحة من الولايات المتحدة والإمارات والسعودية ومصر، فإنها بذلك تعيد طرح نفسها كقوة تتعامل مع الحرب بوصفها مأساة وطنية لا معركة صفرية. فالحرب التي دخلت عامها الثاني لم تعد مجرد صراع على السلطة، بل تحولت إلى نزيف يهدد ما تبقى من بنية المجتمع السوداني، من أمنه الإنساني حتى وحدته الجغرافية. وعندما تطرح الهدنة باعتبارها مدخلاً لفتح الممرات الآمنة، وإيصال المساعدات، وتخفيف الكارثة الإنسانية، فإن قبولها لا يمكن قراءته إلا باعتباره خطوة في الاتجاه الصحيح.
“حين تعجز البنادق عن الحسم، يبدأ العقل في التفكير.”
لقد كان لافتاً أن لغة الدعم السريع في بيان الهدنة تجنبت النبرة الانفعالية لصالح خطاب أكثر اتزاناً ووضوحاً، يربط بين الهدنة وبين الآمال الوطنية الأوسع: وقف العدائيات، الانتقال إلى نقاش سياسي جاد، ومعالجة الأسباب الجذرية للحروب السودانية. وهذه نقاط ليست جديدة في الخطاب السياسي، لكنها تصبح ذات وزن مختلف حين تأتي من طرف يملك القوة على الأرض.
في المقابل، يبدو أن الطرف الآخر — قيادة الجيش المختطفة من جماعات الهوس الديني والمخترقة بالولاءات الخارجية — قد اختار التمترس خلف استراتيجية إطالة أمد الحرب، إيماناً منه بأن استمرار النزاع يمنحه فرصة لاستعادة نفوذه القديم، ولو على حساب ما تبقى من الدولة. فالمؤسسة العسكرية التي خضعت لهيمنة المشروع الإخواني طوال عقود، لا تزال تنظر إلى الدولة بوصفها “غنيمة سياسية” لا مشروعاً وطنياً. ومن هنا تستمد الحرب مرارتها: الاحتلال الداخلي الذي يرتدي زي الدولة.
وبين هذا وذاك، يقف الشعب السوداني وحيداً، محاصراً بالغلاء والنزوح والجوع وانهيار الخدمات. ولذلك كان قبول الهدنة، في نظر كثير من المراقبين، خطوة تعكس استعداداً لالتقاط إشارات التحول، وتغليب المصلحة الوطنية على حسابات الثأر.
“الدولة ليست مبنى ولا حدوداً، بل عقدٌ أخلاقي بين سلطة وشعب.”
إن القراءة المتأنية لموقف الدعم السريع تكشف أنه لا يتعلق فقط بالرغبة في تهدئة الأوضاع الإنسانية، بل بمحاولة تقديم نموذج مختلف في التعامل مع الأزمات. ففي الحروب الأهلية، يصبح قبول الهدنة بمثابة إعلان نوايا: نوايا للانتقال إلى سياق سياسي جديد، وتجاوز حالة الاستقطاب الحاد، والاعتراف بأن الحرب مهما طالت لن تُسقط مشروع بناء الدولة الحديثة، بل ستؤجل ميلادها فحسب.
ومن هنا يمكن القول إن خطوة الدعم السريع ليست معزولة عن موقعها داخل مشهد ما بعد الثورة. فقد وجدت هذه القوة نفسها، مثل بقية القوى الوطنية، أمام سؤال أكبر بكثير من سؤال السلطة: سؤال معنى الدولة. هل تُبنى على المواطنة والمؤسسات والتداول؟ أم تعود إلى عقلية التنظيمات المغلقة التي ترى الشعب تابعاً والبلاد مزرعة؟
إن قبول الهدنة هنا ليس مجرد استجابة لضغط دولي، بل هو انتقال من منطق القوة إلى منطق الدولة، ومن حسابات الجغرافيا العسكرية إلى حسابات الاجتماع السياسي.
“من لا يتغير حين تتغير البلاد، سيجد نفسه خارج البلاد.”
إن السودان اليوم يقف على عتبة مفترق طرق حاسم، تتقاطع فيه آمال الناس البسطاء مع صراعات القوى الكبرى. وبينما تعمل بعض الأطراف على تدوير الماضي وإعادة إنتاج منظومات القهر القديمة، تظهر إرادة مختلفة تسعى لتثبيت فكرة الدولة المدنية الديموقراطية التي لا تتنازل عن سيادتها ولا تخضع لابتزاز الأيديولوجيا. وقد تكون الهدنة الإنسانية — إن أُديرت بعقل بارد وإرادة وطنية صادقة — فرصة نادرة لإعادة رسم الطريق، ووضع البلاد على حافة ميلادها الجديد.
فالدول لا تُبنى بالحظ، بل بالإرادة. ولا تنجو بالبنادق، بل بالوعي. والسلام الحقيقي ليس ما يُكتب على الورق، بل ما يُكتب في وعي الناس.




