رأي

من طهران إلى بورتسودان.. كيف أعادت الحرب رسم خرائط التحالفات الإسلامية؟

خضر كوة

 

خضر كوة

لم تعد الحرب السودانية مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين متحاربين، بل تحولت إلى مختبر سياسي وأمني يعيد تشكيل التحالفات الإقليمية والأيديولوجية، ويعيد تعريف طبيعة القوى التي قد ترث الدولة بعد انتهاء الحرب. وما كشفت عنه تقارير دولية حديثة، أبرزها لبلومبرغ وفايننشال تايمز، يتجاوز مسألة السلاح والدعم العسكري، ليطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل السودان وعلاقاته الإقليمية والدولية.

عندما اندلعت الحرب في أبريل 2023، وجد الجيش السوداني نفسه في مواجهة أزمة وجودية فرضت عليه البحث عن أي مصدر للدعم العسكري. وفي هذا السياق برز التقارب مع إيران باعتباره خيارًا فرضته ضرورات الميدان أكثر مما أملاه تقارب سياسي أو أيديولوجي. ووفق ما أوردته بلومبرغ، أسهم الدعم الإيراني، ولا سيما الطائرات المسيّرة، في تعزيز قدرات الجيش خلال مرحلة مفصلية من الحرب.

لكن التحالفات التي تُبنى تحت ضغط المعارك لا تبقى بمنأى عن الحسابات السياسية. فمع مرور الوقت، أصبح الارتباط بطهران يمثل عبئًا دبلوماسيًا، خاصة في ظل سعي قيادة الجيش إلى تحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة ودول الخليج، وفي مقدمتها السعودية. وهكذا تحولت العلاقة التي بدأت كضرورة عسكرية إلى معضلة سياسية ذات كلفة إقليمية ودولية.

غير أن التحول الأكثر أهمية لا يتعلق بالخارج وحده، بل بما يجري داخل المعسكر الموالي للجيش. إذ تشير تقارير فايننشال تايمز إلى تنامي حضور الجماعات الإسلامية داخل هذا المعسكر، سواء على المستوى العسكري أو السياسي، بما يعكس إعادة تموضع لقوى كانت قد فقدت نفوذها بعد سقوط نظام عمر البشير، لكنها وجدت في الحرب فرصة للعودة إلى المشهد.

وهنا تلتقي معادلتان بالغتا الحساسية: دعم خارجي ارتبط بإيران، وصعود داخلي للتيارات الإسلامية. ومن وجهة نظر كثير من العواصم الغربية، فإن هذا التداخل يثير مخاوف بشأن طبيعة السلطة التي قد تخرج من رحم الحرب، ومدى قدرتها على بناء دولة مستقرة ومنفتحة على المجتمع الدولي.

وتكتسب مدينة بورتسودان أهمية خاصة في هذا السياق، بعدما أصبحت مركزًا رئيسيًا لمؤسسات السلطة، ونقطة ارتكاز للقرارين السياسي والعسكري. ويجعل ذلك المدينة محل اهتمام إقليمي ودولي متزايد، بالنظر إلى موقعها على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات الاستراتيجية للتجارة والطاقة والأمن العالمي.

وفي المقابل، تشير بلومبرغ إلى أن الجيش يسعى إلى تنويع مصادر تسليحه، مع بروز تركيا بوصفها شريكًا عسكريًا محتملاً يوفر التكنولوجيا والخبرة العسكرية دون الكلفة السياسية التي تفرضها العلاقة مع إيران. غير أن هذا التحول يثير بدوره سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام تغيير حقيقي في طبيعة التحالفات، أم مجرد إعادة توزيع للأدوار بين حلفاء مختلفين؟

ولا يمكن إغفال الدور المصري في هذه المعادلة، فالقاهرة تظل لاعبًا مؤثرًا بحكم اعتبارات الأمن القومي والجغرافيا والتاريخ، وهو ما يجعل أي قراءة لمشهد التحالفات السودانية ناقصة إذا استبعدت المصالح المصرية وتأثيرها في مسارات الصراع.

إن الرسالة التي ينبغي أن تستوعبها أوروبا والولايات المتحدة لا تتعلق فقط بمن يحقق مكاسب ميدانية، وإنما بطبيعة القوى التي قد تتولى إدارة السودان في مرحلة ما بعد الحرب. فالتعامل مع الأزمة بمنطق التوازنات العسكرية وحدها قد يقود إلى ترسيخ واقع سياسي أكثر تعقيدًا، تتشابك فيه المصالح الإقليمية مع المشاريع الأيديولوجية، بما يصعب معه بناء دولة مستقرة وقابلة للاستمرار.

ويبقى السؤال الأكثر أهمية: هل ستتعامل القوى الغربية مع السودان باعتباره مجرد ملف أمني، أم أنها ستعيد تقييم سياساتها تجاه الفاعلين المحليين والإقليميين بما يخدم استقرارًا طويل الأمد؟

في نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال الحاسم هو من انتصر في الحرب، بل من سيرسم ملامح الدولة السودانية عندما تضع الحرب أوزارها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!