
أبو عبدالله الراشدي
لم يكن الإعلام في السودان يوماً مساحة محايدة تنقل الحقيقة كما هي. فمنذ تأسيس الدولة الحديثة عقب مرحلة ما بعد الاستعمار، تشكّل إعلامٌ يعكس رؤية النخب المركزية التي احتكرت السلطة لسنوات طويلة. هذه النخب لم تنظر للإعلام بوصفه واجباً وطنياً، بل باعتباره خط الدفاع الأول عن نفوذها، وأداةً لصناعة سرديتها الخاصة، ولو على حساب الحقيقة والمجتمع معاً.
لقد كانت وظيفة هذا الإعلام تتجاوز التجميل السياسي، فهو لم يكتفِ بمدح السلطة وتبرير أفعالها، بل ذهب أبعد من ذلك حين ابتدع خطاباً يبرر الإقصاء، ويشوّه نضالات شعوب الهامش، ويُظهر الحركات التحررية كقوى فوضوية تستهدف “الدولة”، بينما كانت الدولة تُعاد هندستها في الواقع لتمثل فئة ضيقة من المجتمع وحدها.
وخلال العقدين الماضيين، توسع هذا الخطاب من الإطار المحلي إلى الفضاء العربي، مستفيداً من عناصر سودانية مدربة على إنتاج رواية واحدة تُعيد تدوير الأفكار القديمة. وهكذا تحولت شاشات مؤثرة إلى منابر تعزز النظرة الرسمية ذاتها: الجيش كحارس مقدس، والمعارضة كخطر وجودي، والانتهاكات الواسعة مجرد “اشتباكات” بلا فاعل.
إنه خطاب يرتدي لباس المهنية، لكنه في الحقيقة يعيد إنتاج وعي مشوه وواقع مقلوب.
وتتجلى خطورة هذا المشروع الإعلامي في اعتماده على أدوات تبدو “علمية” بينما هي في جوهرها مسيّسة، وعلى رأسها ما يسمى استطلاعات الرأي. فهذه الاستطلاعات، التي تُقدّم كأنها تمثّل صوت الشارع، تقوم على عينات مختارة بعناية لإنتاج نتائج تخدم السردية المرغوبة. وبهذا تتحول من وسيلة قياس إلى وسيلة توجيه، ومن أداة علمية إلى وسيلة تضليل ذات طابع ناعم.
كما ساهمت هذه القنوات في شيطنة القوى الصاعدة من الأقاليم، وتقديمها على أنها مجموعات بلا سند شعبي، رغم أن الوقائع الميدانية تشير إلى توسع حضورها وارتباطها المباشر بالجمهور.
وكان الهدف واضحاً: منع أي رؤية جديدة من اختراق المجال العام، والإبقاء على هيمنة النخب القديمة التي ترى في التغيير تهديداً مباشراً لامتيازاتها.
غير أن هذا المشروع لم يعد فاعلاً كما كان. فالجمهور السوداني تغير كثيراً. فقد أصبح أكثر وعياً، وأكثر قدرة على كشف التلاعب بالخبر والصورة، وأكثر ميلاً للبحث عن مصادر مستقلة. لم تعد الرواية الرسمية تُستقبل كما في السابق، بل تُقابل بالشك والتساؤل والتفكيك.
وبفضل انتشار المنصات الرقمية، تمكنت شرائح واسعة من السودانيين من بناء إعلام شعبي بديل يرصد الانتهاكات، ويوثق الأحداث، ويكشف فجوات الخطاب التقليدي.
إن البلاد اليوم تخوض معركة تتجاوز الخلاف السياسي أو العسكري؛ إنها معركة الوعي. معركة لتصحيح الصورة، وتحرير الحقيقة، وإعادة الإعلام إلى مهمته الأساسية: خدمة المجتمع، لا خدمة السلطة.
وإذا نجح السودانيون في انتزاع حقهم في سرد قصتهم بأنفسهم، فسيتحول الإعلام من أداة للتضليل إلى رافعة للتغيير، ومن صوت للنخبة إلى فضاء عام يتنفس فيه الجميع بلا خوف ولا تزييف.




