
منذ أن شرع السودان في اختبار طريقه نحو الدولة الحديثة، ظل الحداثيون يقفون في قلب إشكالية تاريخية لا تنفك تعيد تشكيل المشهد السياسي. فهؤلاء، على اختلاف مشاربهم، كانوا دوماً أقلية فاعلة ولكن محدودة الانتشار داخل مجتمع يغلب عليه الطابع التقليدي، بامتداداته الطائفية والقبلية التي تمنح القوى القديمة ثقلاً انتخابياً يصعب منافسته.
وبسبب هذا الميزان الاجتماعي المختل، بدا للحداثيين أن الديمقراطية لن تكون طريقهم نحو الحكم، بل وسيلة لإعادة إنتاج القوى التقليدية عاماً بعد عام. وهكذا انقلبت نظرتهم للديمقراطية: لم تعد آلية للتداول السلمي، بل نافذة لا توصل إلى السلطة، ولا تضمن انتقالاً حقيقياً نحو الدولة التي يحلمون بها.
ومن هنا بدأ المسار المعروف:
إذا جاءت الديمقراطية، جاءت معها القوى التقليدية.
وإذا تراجع أمل الحداثيين في الصندوق، اتجهوا—على كرهٍ—نحو الجيش.
فنشأت دورة طويلة بين أنظمة مدنية قصيرة العمر وأخرى عسكرية تمتد لسنوات، وكل انقلاب يعقبه انتفاضات، وكل انتفاضة تعيد الدورة من جديد.
وقد عبّر أحد الحكماء عن هذه الحالة بقوله:
“حين تتعثر أدوات التغيير، يتقدم من لا يؤمن بالتغيير.”
هذا التوتر بين مشروعين—مشروع يسعى للقفز نحو المستقبل، وآخر يتشبث بشبكة اجتماعية عمرها قرون—لم يكن مجرد خلاف سياسي، بل كان تصادماً بين زمنين:
زمن الحلم وزمن الواقع،
زمن الرؤية وزمن المجتمع،
زمن التطلع نحو الدولة الحديثة وزمن التمسك بالبنى التقليدية التي تشكل وجدان الناس.
ورغم أن الحداثيين يمتلكون مشروعاً طموحاً، فإن استعجالهم للنتائج وتكرارهم للأخطاء جعلا خطواتهم تتقدم دون أن يُرافقها بناء قاعدة اجتماعية واسعة. فهم أرادوا قطيعة كبرى مع الماضي، بينما كان المجتمع نفسه يسير بخطى بطيئة لا تُشبه تلك القفزات التي حلموا بها.
ولذلك قال عبد الرحمن أبو رندة في إحدى تأملاته:
“ما أسرع خُطى الحالمين، وما أبطأ خُطى المجتمع.”
في المقابل، كانت القوى التقليدية تدرك طبيعة المجتمع أكثر مما يفعل خصومها. فهي تعرف أن الناس لا يتركون جذورهم بسهولة، وأن التاريخ لا يُمحى بقرار سياسي. لذا ظلت هذه القوى، بحكم حضورها الاجتماعي، تعيد ترتيب مواقعها وتعود إلى الحكم في كل دورة ديمقراطية تقريباً، مطمئنةً إلى أن بنيتها العميقة كفيلة بإعادتها مهما تغيّرت الظروف.
وبين المشروعين، ظل السودان يبحث عن نقطة اتزان:
نقطة تتصالح فيها قيم الحداثة مع جذور المجتمع،
نقطة تُبنى فيها الدولة بلا خصومة مع الذاكرة،
ونقطة يتوقف عندها الصراع الطويل بين من يريدون القفز إلى المستقبل ومن يخشون السقوط خارج الماضي.
ولئن كان التغيير قد تعثر كثيراً، فإن موجاته المتعاقبة تشير إلى أن البلاد تتجه نحو تحول تدريجي، لا نحو قطيعة فجائية. فالمستقبل، كما يبدو، لن يُولد من انفجار واحد، بل من سلسلة من الموجات التي تُراكم الوعي وتعيد تشكيل العلاقة بين المجتمع والدولة.
وهنا يختم أبو رندة مقولته الثالثة:
“ليس التقدم في هدم الأمس، بل في تحويل الأمس إلى جسورٍ للغد.”
وهكذا يبقى السودان واقفاً بين مدّ الحداثة وجزر التقليد، باحثاً عن طريقٍ ثالث: طريق يأخذ من الحداثة روحها ومن التقليد حكمته، ليصنع دولة تستوعب ماضيها وتفتح أبوابها لمستقبلٍ يليق بها.



