رأي

عقل مُعطّل وسلاح مُهيمن: كيف أفرغت الحركة الإسلاموية الدولة من مضمونها

إيمان التجاني

لطالما شكلت الجماعات الإسلاموية محور أزمة مستمرة في الوطن، ليس بسبب اختلاف الرؤى الفكرية، بل بسبب تحويل الدين إلى أداة للسيطرة والتحريض، واستبدال الحوار بالعنف، والاستبداد بالقيم الوطنية. هذه الحركة لم تولد لبناء دولة، ولا لحماية مشروع وطني، بل للسيطرة على مفاصل القوة كلها وفرض إرادتها بالقوة والخوف، مستغلة الدين لتبرير العنف والسيطرة المطلقة على المجتمع.

منذ اللحظة الأولى لتسلطها، صار خطابها متسقًا، قائمًا على التحشيد، وزرع الرعب في النفوس، واختزال المقدس إلى أداة بيد القلة للحكم على الجميع. وقد عبّر المفكرون عن هذا الواقع بقول مأثور: «من يجعل الدين مسرحًا للسلطة، يحوّل الشعب إلى جمهورٍ لا يفكر سوى بما يُفرض عليه.» هذا القول يوضح أن الخطر الحقيقي يكمن في استغلال الدين لصالح مشروع ضيق، لا مصلحة وطنية.

لقد استثمرت هذه الحركة كل الموارد المالية والإعلامية في تعبئة الجماهير وتحريكها، وصنعت حملات ضخمة لاستدامة نفوذها، بينما كان الوطن ينزف من جروح الصراعات الداخلية. ولم يقتصر تأثيرها على السياسة، بل امتد إلى التعليم والثقافة والوعي الاجتماعي، حتى أصبح المواطن عاجزًا عن التمييز بين ما هو مشروع وطني وما هو أداة تحكم بها جماعة ذات أهداف شخصية. وفي هذا السياق يصدق القول المأثور الثاني: «من يشتري ولاء الناس بالخوف، يبيع مستقبل الوطن قبل حاضرهم.»

ولا يخفى على أحد كيف أن هذه الجماعة لم تتوقف عند استخدام العنف المادي فقط، بل وظفت العنف الرمزي والفكري، مستغلة نصوص الدين لتبرير القتل والاستبداد، وصارت الفتاوى المبالغ فيها جزءًا من استراتيجيتها لإخضاع المجتمع. وهكذا أصبح المواطن تحت ضغط دائم، يتقن الخوف أكثر من المعرفة، ويصبح الوطن كله ساحة صراع لا تنتهي.

ما فعلته هذه الحركة لم يكن مجرد تخريب مؤسسات الدولة، بل تدمير الفكر المدني وإفقاد الشعب القدرة على التعاطي مع مشروع الدولة. فقد صارت القرارات الوطنية رهينة لمصالح ضيقة، والتطلعات التنموية مجمّدة، والموارد مستنزفة لإدامة حالة الانقسام والصراع. وفي هذا الإطار، يبرز القول المأثور الثالث: «الذي يحول العقائد إلى سلاح، يحوّل الإنسان إلى أداة قبل أن يحوّل الوطن إلى ساحة.»

كما أن استمرار هذه الهيمنة أدّى إلى خلق بيئة من الرعب والشك، حيث يُعاقب من يعبر عن رأيه، ويُكافأ من يخضع دون نقاش. وفي كل حملة تعبئة، وفي كل خطاب تحريضي، كان الهدف واحدًا: ضمان بقاء النفوذ والسيطرة بأي ثمن، وتكريس ثقافة الانقسام بين أبناء الوطن. وهكذا صار التنافس على السلطة مشروعًا للدم بدل أن يكون مشروعًا للتقدم.

ختامًا، يمكن القول إن مواجهة هذا التحدي تتطلب إرادة حقيقية لإعادة بناء الدولة الوطنية، وتحرير مؤسساتها من سلطة الجماعات المتطرفة، وفك الطوق عن الفكر المدني، وإعادة الاعتبار لوعي المواطن، وفتح الطريق أمام ثقافة الحوار والمواطنة. إذ لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض بينما يُستثمر الدين لتبرير القمع، أو يُحوّل الوطن إلى حلبة صراع بين مصالح ضيقة، وبدون وعي شعبي بمخاطر الهيمنة المضللة، سيظل الوطن رهينة لمشاريع لم تُخلق إلا لإدامة الفوضى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!