
سمية النور دهب
الجيش اليوم ليس مجرد قوة عسكرية مستقلة، بل أصبح مؤسسة رهينة للسيطرة الطويلة الأمد للحركة الإسلامية. منذ عقود، نجحت الحركة في زرع ولاءات داخل قياداته العليا والوسطى، ما جعل أي قرار استراتيجي مرتبطًا بالولاء السياسي أكثر من الحاجة الوطنية أو مصالح الإصلاح. هذا الاختطاف الهيكلي يحول الجيش إلى أداة لتعطيل أي مشروع تغييري، ويجعل الحديث عن استقلال المؤسسة العسكرية أو انفصالها عن النفوذ الإسلامي مجرد وهم.
القيادة العليا للجيش تعيش حالة ازدواجية حادة؛ فهي ملتزمة بتاريخ طويل من الولاءات التي تفرضها الحركة الإسلامية، وفي الوقت نفسه، مضطرة للتعامل مع الضغوط السياسية الداخلية والخارجية. الملفات الحساسة التي تمتلكها الحركة تجعل أي خطوة لتحرير الجيش محفوفة بالمخاطر، إذ أن أي تحرك خارج حدود الولاء قد يضع القادة في مواجهة مباشرة مع شبكة واسعة من النفوذ داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
تأثير هذه السيطرة على مسار الحرب والسلام واضح بشكل مباشر؛ فقد استغلت الحركة الإسلامية نفوذها داخل الجيش لإفشال أي محاولات للتسوية السلمية أو الجلوس إلى طاولة المفاوضات. أذرعها الإعلامية ومليشياتها المحلية لعبت دورًا كبيرًا في توجيه الصراع وتحويله إلى حرب مفتوحة، بينما تم استغلال الشارع والشباب المغيبين لمواجهة أي جهود لإيقاف النزاع. هذه الديناميكية تسمح للحركة بتأجيل أي مساءلة قانونية أو سياسية عن الانتهاكات التي ارتكبت، مع بقاء الجيش أداة التنفيذ في أيديها.
رغم جهود المجتمع الدولي لتصنيف الحركة الإسلامية كجماعة إرهابية، يبقى الملف معقدًا. الجماعة ليست كيانًا موحدًا، بل شبكة واسعة تضم نشاطات سياسية وخيرية ودعوية، ما يجعل استهدافها الكامل صعبًا. كما أن المواقف الدولية مختلفة؛ فبعض الدول تراها تهديدًا أمنيًا، بينما ترى دول أخرى فيها حركة سياسية يمكن استيعابها، ما يوفر للحركة هامشًا كبيرًا لتجنب المحاسبة، في حين يبقى الجيش تحت سيطرتها الفعلية.
فهم طبيعة هذا الاختطاف يوضح لماذا أي مشروع إصلاحي أو مسعى للسلام يواجه جدارًا صلبًا من الولاءات السياسية. الجيش ليس مجرد قوة تنفيذية على الأرض، بل أداة استراتيجية تتحكم فيها الحركة الإسلامية لتأجيل التغيير. تحرير أي مسار للإصلاح يبدأ بفصل المؤسسة العسكرية عن هذا النفوذ العميق، وإعادة استقلال القرار العسكري بعيدًا عن الولاءات السياسية الضيقة.
في الخلاصة، يمثل الجيش المختطف من قبل الإسلاميين العقبة الحقيقية أمام أي مشروع تغييري أو إصلاحي. فبدون معالجة هذا الاختطاف وفك السيطرة السياسية، يبقى أي مسار للسلام أو الإصلاح هشًا، محكومًا بإرادة الحركة الإسلامية التي تستخدم الجيش أداة للحفاظ على مصالحها وتعطيل مستقبل التغيير الحقيقي.




