
د. فاطمة الزين الغالي
لم تكن مدينة الأبيض يومًا عنوانًا للقسوة. أعرف شوارعها جيّدًا، فقد عشت فيها أيامًا طويلة من عمري، وجلست لامتحان الشهادة السودانية في قاعاتها الواسعة حيث يمتزج هدير المراوح برائحة الطباشير، ويعمّ إحساس بالأمان لا تخطئه الذّاكرة. كان أهل الأبيض يفتحون بيوتهم للغريب قبل القريب، وكانت المدينة عامرة بالحب الطمأنينة. لذلك يصعب عليّ اليوم أن أستوعب أنّ هذه المدينة نفسها تحوّلت إلى مسرح لانتهاكات مروّعة ضد عشرات النساء، على يد خلايا أمنية تُمارس أبشع صنوف التعذيب والاستغلال والابتزاز باسم القانون.
المعلومات الواردة في التقرير حقوقي صدر مؤخرا تكشف واقعًا مفزعًا لنحو ٥٦ امرأة سودانية معتقلات داخل سجون الخلية الأمنية بالأبيض بتُهم “التعاون مع الدعم السريع”، إضافة إلى تسع تهم جنائية أخرى تُفرض عليهن بلا بينات، في ظل محاكمات صورية يُهيمن عليها جهاز الأمن ومجموعات محسوبة على تنظيم الإخوان المسلمين. أغلب المعتقلات فتيات صغيرات، لا يتجاوزن العشرين عامًا، وجميعهن ضحايا حرب شردتهن من مدن وقرى دارفور وغرب كردفان. هرَبْن من نيران المعارك بحثًا عن ملاذ آمن، فوجدن أنفسهن في قبضة سلطة أمنية متوحشة تتعامل معهن وكأنهن غنائم حرب.
يصف التقرير نماذج حيّة تكشف عمق الكارثة. فتاة قاصر طردها والدها، فالتقطها أحد الأفراد المشوهين نفسيا واستغلها جنسيًا. فهامت على وجهها بحثًا عن مأوى، لتجد نفسها فجأة أمام محكمة في الأبيض تُصدر ضدها حكم الجلد والغرامة؛ ويُنتزع منها طفلها الرضيع بلا رحمة. فتاة أخرى، مجرد صورة في هاتفها كانت سببًا لاعتقالها، وعندما امتنعت عن الرضوخ لتحرش أحد الضباط، انهال عليها ضربًا حتى نزفت. أخريات لا تزال قضاياهن مفتوحة تحت مواد فضفاضة: ٥٠، ٥١، ٦٥، ١٨٦؛ تُستخدم كسيف مسلط على رقاب الفتيات لابتزازهن وإرهابهن.
الجانب الأخطر يتمثل في الانتشار الصارخ لظاهرة “الدرونات”، أي الرشاوى التي تُدفع لأفراد الخلية الأمنية وضباط جهاز الأمن مقابل إطلاق سراح المتهمات. مبالغ تتراوح بين ١٥ إلى ٢٠ مليون جنيه تُدفع عبر وسطاء معروفين في المنطقة، يعملون كحلقة وصل بين الضباط الفاسدين والمحامين. هذا النظام القائم على الرشوة نسف ما تبقى من هيبة القضاء، وحوّل النساء المعتقلات إلى مصدر دخل لطبقة أمنية تستغل الفوضى والحرب للثراء السريع.
تُظهر هذه الممارسات أن الخلايا الأمنية في الأبيض لا تعمل وفق القانون، بل خارج كل منظومة أخلاقية وإنسانية. وهي ليست تجاوزات فردية، بل منهج منظم تتبناه جهات أمنية محسوبة على تنظيم الإخوان المسلمين، وتستخدمه كأداة للسيطرة والانتقام وإرهاب المجتمع المحلي. هذه الانتهاكات تُعد وفق القانون الدولي الإنساني جرائم خطيرة:
– الاعتقال التعسفي،
– التعذيب،
– العنف الجنسي،
– محاكمة المدنيين دون ضمانات،
– الابتزاز المالي،
– فصل الأمهات عن أطفالهن.
كل واحدة من هذه الممارسات تُشكّل جريمة مستقلة، لكنها مجتمعة ترتقي إلى جرائم ضد الإنسانية، لأنها تُمارس بصورة منهجية وواسعة ضد فئة محددة من السكان الهاربين من الحرب.
المدينة التي عرفتها زمن الدراسة، والتي كانت تُشبه حضنًا مفتوحًا للجميع، تتعرض اليوم لاغتيال قيمها على أيدي عناصر لا تمتّ لأخلاق أهل الأبيض بصلة. إنّ ما يحدث لا يمثل المجتمع المحلي، بل يمثل سلطة انفلتت من القانون، وتحوّلت إلى جهاز بطش منفلت تقوده مجموعة مؤدلجة تحتمي بظل الحرب، وتستغل ضعف القضاء، وتعيد إنتاج أساليب النظام السابق في التعذيب والابتزاز وإهدار الكرامة الإنسانية.
هذه الجرائم لا يمكن السكوت عنها.
أدعو بصراحة ووضوح منظمات حقوق الإنسان الدولية—منظمة العفو الدولية، هيومن رايتس ووتش، آليات الأمم المتحدة الخاصة، ومجلس حقوق الإنسان—لفتح تحقيق فوري ومستقل في انتهاكات الخلايا الأمنية بالأبيض. فالسجون ليست أماكن سرية، والضحايا لسن أرقامًا عابرة. كل امرأة من هؤلاء تمثّل مأساة إنسانية، وتقدم دليلًا إضافيًا على الانهيار الشامل للدولة وسيادة الأجهزة الموازية المرتبطة بتنظيم الإخوان المسلمين.
كما أدعو نقابات المحامين، المنظمات النسوية، والمبادرات الحقوقية السودانية إلى توثيق كل حالة، وإرسال ملفاتها إلى المنابر الدولية، والضغط لإطلاق سراح الفتيات فورًا، وضمان حمايتهن من التعذيب والانتهاكات الجنسية، وتقديم المسؤولين عنها إلى العدالة الجنائية.
ما يجري في الأبيض ليس مجرد تجاوز قانوني؛ إنه انهيار أخلاقي وإنساني يجري على مرأى العالم، ويحوّل الفتيات السودانيات إلى وقود في حرب لا ناقة لهن فيها ولا جمل.
ولأنني أعرف الأبيض كما أعرف نفسي، فإنّ الألم مضاعف. هذه المدينة لا تستحق هذا المصير، ونساءها لا يستحققن التعذيب ولا الإذلال، بل يستحقن العدالة، والإنصاف، والحماية.
إنّ الصمت اليوم مشاركة في الجريمة.




