رأي

ابطال الحرب في الظل الأبطال الحقيقيين

مؤيد الامين

 

مؤيد الأمين

في كواليس الحرب، حيث لا تُلتقط كاميرات الأخبار ولا تُدوَّن أسماء الضحايا في سجلات التكريم، ماتوا وهم وحدهم. لم تُسمع أصواتهم في تقارير القنوات، ولم تكتب عنهم بياناتُ المسؤولين. هم الذين لم يختاروا أن يكونوا طرفًا، لم يقرروا الدخول إلى هذا الجحيم، لكن الحرب فرضت عليهم حياةً لم يتمنى أحد أن يعيشها — وماتوا في الظل كما عاشوا في الظل.

هذا المقال ليس تحقيقًا إخباريًا يحمل أرقامًا وإحصاءاتٍ رسمية — فالأرقام نفسها كثيرًا ما تُخبَر وتُمحى بحسب مصلحة من يملك قلم السلطة — بل هو شهادة على وجود إنسانيين أُهجِرَت إنسانيتهم في سوق المعارك. هو نعي لمن لم يكن لهم اسمٌ يتردد في الشاشات، ونداءٌ لضمير كل من يلون الحرب بصورةٍ بطولية من وراء لوحة المفاتيح.

تخيل امرأةٍ هرِمت قبل أوانها، فقدت ابنها في قصفٍ لم تُسجل دقائقه في أي تقرير. تخيل طفلًا لم يعد يعرف طعم النوم، يتلمّس وجه أمه التي تغيّرت بعد أن رأت الدخان يتحول إلى مأوى دائم في أحلامها. تخيل رجلًا بسيطًا ذهبت لقمة عيشه ومصادر رزقه في لحظةٍ واحدة، ولم يجد من يسمع له، لأنه لم يكن سلاحًا ولا جنرالًا، بل إنسانًا — ممن لا تحبهم الأخبار لأنهم لا يلبسون بزّاتٍ عسكرية ولا يحملون شعاراتٍ رنانة.

في مواجهة هذا الكم من الألم، يظل السؤال المؤلم: من سيحمِل مسؤولية أولئك الذين لم يختاروا ولم يقرروا؟ من سيقف أمام عائلاتهم ويقول: “نعم، نحن أخطأنا”؟ للأسف التاريخ يعلمنا أن كثيرين من ضحايا الحروب هم مجرد أرقامٍ تُؤخذ أو تُنسى بحسب النظرة السياسية.

أبطال الكواليس ليسوا محاربين، بل هم من قاوموا الحرب بصمودهم: الأمهات اللواتي حملن في صدورهن خوفًا لا ينتهي، العمالة الذين فقدوا لقمة عيشهم، المعاقون الذين صارت حركتهم أصعب في كل يومٍ جديد، المسنون الذين انطفأت أنوار بيوتهم وتلاشى حولهم كل ما كانوا يبنون طوال حياتهم. هم أبطال لأنهم لم يرضخوا لاستعراض القوة؛ لأنهم حملوا قسوة الواقع بصمتٍ، ولم يتحدثوا عن بطولاتٍ وهمية. وحدهم، بالنسبة لعالمٍ يقدّر الضجيج، كانوا مجرد ظل.

ولمن ما زال يجلس خلف لوحة المفاتيح — يصفّي حسابه مع التاريخ عبر منشورٍ مُصاغ بعاطفةٍ زائفة، أو يصفّي حسابه مع إنسانٍ آخر عبر تبريرٍ مُعلّب — أود أن أقول: إن الحرب ليست رواية تُجمل كلماتها، ولا هي لعب على مشاعر الآخرين. عندما تلبسون الحرب رداء الشجاعة من دون أن تتلمسوا حياة من أهدرتموها، فإنكم تسرقون آخر ما تبقى من كرامةٍ لأولئك الذين ماتوا بلا شهادة.

هناك أيضًا من ماتوا لأنهم رفضوا أن يكونوا أدوات لسياساتٍ لا تعرف الرحمة. كثيرون امتنعوا عن الانضمام إلى أطراف القتال؛ فبدل أن يصبحوا أدواتٍ في يد أحدهم، اختاروا البقاء على ذمة حياتهم المدنية — فطاردتهم الحرب وأخذتهم. هؤلاء لم يكونوا بطلاً بالمعنى العسكري، لكنهم بطليون لأنهم رفضوا أن يقايضوا ضميرهم براحةٍ مؤقتة أو أمنٍ مزيف.

نحن لا نطلب قصاصًا من العدالة المجردة فحسب؛ نحن نطلب شيئًا أبسط وأصعب في الوقت نفسه: أن تُستعاد لهم إنسانيتهم؛ أن يُنطق اسمهم ولو بعد موتهم؛ أن يُعرف العالم أن وراء كل رقمٍ هناك قلب نبض. وهل من أصعب من أن تموت ولا يذكرك أحد؟ أن تفارق الحياة دون أن يلتفت العالم إلى ألم عائلتك الصغيرة؟ هذا هو الحريق الحارق في قلب المحرومين من ذكرى الموت.

إلى دعاة الحرب وداعميها: توقفوا. ليس دعاءًا أدبيًا مفرطًا، بل نداء يخرج من ضميرٍ يعرف أن الكلمة لها وزنٌ وقد تُفضي إلى أفعالٍ تحرق الناس. خطابكم — إنْ كان حماسيًا، أو مليئًا بالاستعلاء الفكري، أو متوارًٍا تحت ذرائع وطنية — لا يغيّر من حقيقةٍ واحدة: هناك بشرٌ يعيشون موتًا يوميًّا ولا أحد يكتب عنهم. أنتم تلبسون الحربَ ثيابَ الفخر، بينما حقيقة الأمر أنكم تلبسونها رداءَ الخدع. أن تنهش الحرب لحم الناس باسم العظمة قيمةٌ ميتة؛ أن تزيّف الحقائق وتوظّف الضحايا لتمرير مشاريع سياسية أو شخصية هو تضييعٌ لروح الإنسان.

دعوتنا هنا ليست لخطاباتٍ معسولةٍ فقط، بل لأفعال ملموسة: وقف القتل أولًا، ثم الاعتراف بخطأ المقربين منكم إن كانوا قد أخطأوا، ثم محاولة إعادة بناء ما تقطّع من نسيج المجتمع. لا شيء يُداوي جراحَ المواجع أفضل من الاعتراف والندم والعمل الحقيقي لإعادة بناء حياةٍ كريمة. الظل الذي احتضن موت أولئك يجب أن يُسقط؛ يجب أن نضيء على قصصهم، ندوّنها، ونحتفظ بها في ذاكرة المجتمع كي لا تتحول كلّ مصيبة إلى رقمٍ يُهمل.

إلى من تؤمنون أن الحرب فِعل بطولي: البطولات الحقيقية ليست في تدمير البيوت والقلوب. البطولة الحقيقية تتجلى في إنقاذ الحياة وحماية الأطفال وإعادة فتح مدارسٍ أغلقتها الألغام. هل البطولة أن تسقط جسمًا؟ أم أن تكون من يقف ليساعد مَن بقي؟ كن على يقينٍ أن التاريخ يكتب اليوم، لكن من يكتب التاريخ هم أيضًا من يختار الرحمة أو القسوة؛ فاختار الرحمة لتكون في جانب الحق.

كم من قصصٍ لم تُسرد؟ كم من أسماءٍ لم تُذكر؟ في كل قريةٍ، في كل شارعٍ، في كل منزلٍ، توجد حكاية عن إنسانٍ تلاشى بين ركام الحرب. هذه الحكايات لا تحتاج إلى استعراضٍ ولا إلى عناوين كبيرة؛ تحتاج إلى من ينقلها بصدق، إلى من يكتب: “فلان — مات — كان طباخًا — كان بائعًا — عاشقًا لابنه”؛ إلى من يجعل من كل اسمٍ لوحةً تُذكر وليست رقمًا يُرمى في صندوق النسيان.

إن العزاء الحقيقي ليس مجرد كلمات مُنسابة على صفحاتٍ بيضاء؛ العزاء الحقيقي هو العمل. العمل على إعادة الاعتبار للعائلات المهشَّمة، على توفير أدنى مقومات الحياة، على إعادة المدارس للعمل، على فتح مستشفياتٍ تعمل، وعلى أن لا نترك أي إنسانٍ في ظلمة اسمٍ غير مسجل وذاكرةٍ غير مكتملة. لا تكفي الشعارات. الشعارات لا تطعم جائعًا، ولا تسكن طفلاً عن عتمة الليل، ولا تعيد لأمٍّ ابنها.

أختم بدعوة واحدة، بسيطة لكنها حادة: أوقفوا الحرب إن كنتم تملكون ذرة إنسانية. وإذا لم تملكوا تلك الذرة، فدعوا مساحات المجتمع للذين يملكونها ليعالجوا ما تبقى. دعوا الضمير يرنّ، دعوه يُؤثّر، لأن من لم يُسمع صوته في حياةٍ لا يستحق أن يُنسى في موته.

هؤلاء الذين ماتوا في الكواليس هم شهادةٌ على فشلنا الإنساني. لا نطلب منكم بطولاتٍ مزيفة، بل نطلب تذكرهم. اجعلوا لهم اسمًا، اجعلوا لهم ذكرى، اجعلوا لهم نصيبًا من الرحمة التي لم تُمنح لهم وهم على قيد الحياة. فقط بهذه البساطة يمكن أن تبدأ خطوة صغيرة نحو عالم لا يموت فيه الناس في الظل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!