رأي

الدين والسياسة: فشل التجربة في إدارة الدولة

إيمان التجاني

 

إيمان التجاني 

أظهرت التجربة الطويلة للتيارات الدينية في حكم الدولة أن المزج بين الدين والسياسة دون فاصل واضح يؤدي إلى أزمات متشابكة ومعقدة، تشمل كل مفاصل الحياة الوطنية. لقد برهنت الممارسة العملية أن فرض أفكار أيديولوجية ضيقة على مجتمع متنوع ثقافيًا واجتماعيًا يضع الدولة أمام تحديات غير قابلة للحل، ويضعف القدرة على تحقيق التنمية والعدالة.

لقد استُخدم الدين أداةً للسيطرة على الدولة والمواطنين، بينما غابت الوظائف الحقيقية للحكومة، مثل حماية حقوق الناس، وتنظيم الاقتصاد، وتعزيز التعليم والصحة. المؤسسات التي يفترض أن تكون منارة للعدالة والمساواة أصبحت أدوات لضبط السلوك الفردي، وفرض نظام قيمي صارم لم يلق قبول غالبية المجتمع. هذا الانحراف خلق شعورًا بالغبن بين المواطنين، وأضعف الثقة بين الدولة والمجتمع، وجعلها عرضة للاضطرابات الداخلية.

الجيش، الذي من المفترض أن يكون حامي الدولة والمجتمع، لم يسلم من هذا الانحراف. إذ تحوّل إلى أداة سياسية، تفقد استقلاليتها، وأصبح جزءًا من منظومة التسلط، ما أسهم في ضعف الأمن العام، وزيادة الانقسامات داخل المؤسسة العسكرية نفسها. هذا الانحراف حول الجيش من قوة حامية إلى أداة لإخضاع الشعب، وهو ما أضاع فرص بناء دولة قوية ومستقرة.

على الصعيد الاقتصادي، ساهمت السياسات الموجهة بالأيديولوجيا في تقويض الدولة، إذ تم تحويل الموارد الوطنية إلى ملكية نخبة ضيقة، بينما عانى المواطن العادي من الفقر والحرمان. أدى هذا الوضع إلى فجوة اجتماعية كبيرة بين النخبة الحاكمة والمجتمع، وزاد من شعور الإحباط واليأس لدى الفئات المهمشة، وأصبح الوطن مسرحًا للصراعات التي يُستغل فيها الضعفاء لتحقيق مصالح سياسية ضيقة.

النسيج الاجتماعي، بتنوعه الثقافي والعرقي، لم يكن بمنأى عن التأثيرات السلبية لهذه التجربة. فقد استُغلت الخلافات المحلية والإقليمية، وأصبح المجتمع ممزقًا بسبب السياسات التمييزية، التي أهملت حقوق المجتمعات الهامشية، وخلقت شعورًا بعدم المساواة. وهذا الانقسام ساعد على استدامة الصراع السياسي، وعطّل أي محاولات لإعادة بناء الثقة بين مكونات الدولة المختلفة.

حتى التعليم والصحة، اللذان يمثلان أساس التنمية المستدامة، لم يسلم من التأثير السلبي. فقد تحوّل التعليم إلى ساحة لترويج الأيديولوجيا، بدلاً من أن يكون وسيلة لتطوير العقول وإعداد الأجيال المقبلة. أما الصحة، فتعرضت مؤسساتها للضعف والإهمال، مما جعل المواطن عاجزًا عن الوصول إلى الخدمات الأساسية، وبالتالي أسهم في تفاقم معاناة المجتمع.

إن تجربة حكم التيارات الدينية والسياسية في السودان أظهرت بوضوح أن الإدارة الناجحة للدولة لا تتحقق من خلال السيطرة الأيديولوجية أو فرض قيم معينة بالقوة، بل عبر بناء مؤسسات قوية، مستقلة، ومرنة، قادرة على التفاعل مع الواقع الاجتماعي المتنوع، وضمان العدالة، وتوفير الفرص لكل المواطنين على قدم المساواة.

الدرس المستفاد من هذه التجربة هو ضرورة فصل الدين عن السلطة السياسية، وتأسيس نظام حوكمة يضع مصالح الشعب فوق كل اعتبار، ويعطي الأولوية للحقوق الأساسية والتنمية، بعيدًا عن محاولات الهيمنة والاستئثار بالقوة باسم الدين أو القيم الأخلاقية الزائفة. فقط عبر هذه الأسس يمكن أن يتحقق الاستقرار، وتُبنى دولة تحمي مواطنيها وتضمن لهم حياة كريمة ومستقبلًا أفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!