رأي

عندما يتحول الدين إلى أداة للسلطة: تجربة الانحراف السياسي

ابو عبد الله الراشدي

 

ابو عبد الله الراشدي 

في مسار طويل من الحكم، أثبتت التجربة أن التحكّم بالدين باسم الدولة، دون مراعاة للتنوع الاجتماعي والثقافي، يؤدي إلى فشل ذريع في إدارة شؤون الشعب. التجربة المعاشة بين أروقة السلطة أظهرت أن أي جماعة تعتمد على مفهوم “الحاكمية” كأداة للسيطرة، وتضع سياساتها على أساس الأيديولوجيا الضيقة، لن تستطيع بناء دولة عادلة ومستقرة.

لقد تحوّل الخطاب الديني إلى غطاء لممارسة السلطة المطلقة، فيما تبقى مصالح المواطنين واحتياجاتهم اليومية خارج أولويات الحاكمين. هذا التحوّل جعل الدولة أداةً في خدمة جماعة محدودة، تحكم عبر التشدد والابتزاز والرقابة الصارمة على كل مفصل من حياة الأفراد. تحت ستار الدين، تمّت مصادرة الحريات، واستُبدلت المبادئ القانونية بالدعوى الأخلاقية، وأصبحت مؤسسات الدولة منابر للهيمنة بدل خدمة الشعب.

القوة العسكرية، التي يفترض أن تكون حامية للوطن، انحرفت هي الأخرى عن مهامها الأساسية، إذ استُخدمت لتثبيت سلطة جماعية على حساب استقلاليتها. وهذا الانحراف جعلها عاجزة عن حماية الأمن العام، بل أصبحت أداة للضغط على المواطنين، وأداةً لإرهاب الخصوم السياسيين، مما أضعف هيكل الدولة وأدى إلى تفكك مؤسساتها.

في المجال الاقتصادي، تحولت الدولة إلى مشروعٍ للنهب، حيث استُغلت مواردها الطبيعية والبنى التحتية لمصلحة قلة من النخبة، بينما عانى المواطن العادي من الحرمان والفقر. لم يكن هذا الفساد مجرد أخطاء إدارية، بل سياسة ممنهجة لإخضاع الشعب، وجعله أكثر قبولاً للتوجيهات السياسية التي تتنكر لمصلحته.

وأما النسيج الاجتماعي، فقد تعرّض للتفكيك المتعمد، إذ عملت السياسات القائمة على فرض نموذج قيمي متزمت على تقاليد مجتمعية متنوعة على زرع الفتن بين المناطق والقبائل. أصبحت الدولة منقسمة بين نخبة حاكمة غنية ومحصنة داخل دوائرها المغلقة، وبين شعب فقير ومحروم، محروم من الحقوق الأساسية، ومتروك للصراعات الداخلية والخارجية التي تُستثمر لتثبيت السيطرة.

النتيجة كانت استغلال الشباب والبسطاء عبر الحملات الدعوية الموجهة والتحريض على الولاء الطائفي، وتحويل الجامعات وساحات التعليم إلى ميادين للصراع السياسي، مما أضعف قدرة المجتمع على تطوير نفسه، وقلّص فرص التحديث والتنوير.

إن الدرس المستفاد من هذه التجربة يذكّرنا بقول مأثور: “من يزرع الخوف يحصد الفوضى”. فالتجربة أثبتت أن فرض السلطة بالقوة والقهر لا يؤدي إلا إلى انهيار الدولة واندلاع الفوضى، وأن الحكومات التي تضع أيديولوجيات ضيقة فوق مصالح الشعب، لا تنتج سوى الخراب.

كما يظل قول مأثور آخر نابضًا بالحكمة: “الاستبداد يولّد الثورة، والحرية تولّد الأمن”. إن أي مشروع يسعى لاحتكار السلطة باسم الدين أو الأيديولوجيا، سيكون مصيره المواجهة مع إرادة الشعوب، التي لا يمكن قمعها إلى الأبد.

إن تجربة حكم التيارات الدينية والسياسية الضيقة أثبتت أن الدولة يجب أن تكون فوق الأيديولوجيات الفردية أو الجماعية، وأن هدفها الأول هو حماية حقوق المواطنين، وضمان العدالة الاجتماعية، وإطلاق طاقات المجتمع نحو التنمية. أي تجاوز لهذه المبادئ يجعل الحكم مجرد أداة لإعادة إنتاج الهيمنة، لا وسيلة لبناء وطن حقيقي ومستقر.

هذه التجربة التاريخية تمثل درسًا واضحًا لكل من يسعى لتوظيف الدين أو الأيديولوجيا في السياسة، وتؤكد ضرورة بناء مؤسسات قوية ومستقلة، تحمي مصالح الشعب، وتضع العدالة والحرية أساسًا لكل سياسات الدولة، بعيدًا عن كل محاولات الاستئثار بالقوة باسم الدين أو القيم الأخلاقية الزائفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!