
عدنان ابراهيم عيسى
اتخذت عناصر الحركة الإسلامية المتوغلة في مفاصل المنظومة العسكرية في السودان منذ انقلاب العام 1989 مسارَ الحروب التهميشية كآلية للبقاء على كرسي السلطة. تلك الإستراتيجية — التي ارتكزت على سياسة الإقصاء والتفرد — لم تكتفِ بإطالة أمد الصراع الداخلي، بل حولت المأساة الوطنية إلى وسيلة للحفاظ على النفوذ السياسي والمكاسب الضباطية.
بعد سنوات من القتال العنيف الذي راح ضحيته آلاف السودانيين وتحوله إلى أزمة نزوح وتهجير أضحت تهدد أمن واستقرار المنطقة كلها، بادرت الرباعية الدولية بمقترح هدنة إنسانية. كان الهدف واضحاً: فتح ممرات إنسانية تسمح بدخول المساعدات وتوفير ملاذات آمنة للمدنيين الفارين من جحيم الحرب. الهدنة لم تكن نصراً سياسياً لأحد؛ بل كانت محطة إنسانية لوقف نزيف الدم وتخفيف المعاناة عن ملايين المحتاجين.
في خطوة رحّبت بها غالبية الأطراف المتضررة، قبلت قوات الدعم السريع الهدنة وشرعت عملياً في تأمين المدنيين داخل نطاق مناطق سيطرتها، فاتحةً مساحات إنسانية واثبتت أن السلام — حتى المؤقت — ممكن عندما تسود الإرادة لحماية الناس. لكن قيادة الجيش المرتبطة بالتيار الإسلامي داخل المؤسسة العسكرية اتخذت موقفاً معانداً، إذ وقفت حجر عثرة أمام جهود التامين الإنساني، وزادت من خطابات التحريض واستعطاف القطيع، محاولةً تبرير استمرار العمليات العسكرية باسم حماية “الشرعية” أو “حماية الدولة”.
هذا الموقف لا يخدم السودان ولا شعبه. بل على العكس: إنه يضاعف معاناة المدنيين ويمنح خروج المأساة عن مسارها الإنساني صفة مشروعية سياسية. استخدام الحرب كأداة للبقاء في السلطة يفضي إلى تشريد شعوب بأكملها، ويفتح المجال أمام تداعيات إنسانية واقتصادية واجتماعية ستكون آثارها طويلة الأمد.
ما نحتاجه الآن هو وضوح في الأولويات: إنقاذ حياة المدنيين ووضع أولوية إنسانية فوق أي حسابات سياسية. الهدنة ليست تنازلاً عن الحقوق؛ إنها إجراء طارئ لوقف نزيف الدم وإيصال المساعدات لآلاف الأسر التي تكاد تكون على شفير المجاعة والمرض. قبول هذه الهدنة من قبل طرف واحد—قوات الدعم السريع—يبرهن أن الإرادة للتعاون ممكنة إذا ما توفرت النية الحقيقية لحماية الناس.
على قيادة الجيش أن تعيد حساباتها وتضع مصلحة الوطن والشعب فوق أي اعتبارات ضيقة. إن الإصرار على رفض الهدنة والتصعيد الإعلامي عبر استعطاف الجمهور لصالح الحرب لن يُنقذ أحداً، بل سيزيد من سقوط الأبرياء ويقوّض فرص المصالحة التي يحتاجها السودان بشدة. كما أن المجتمع الدولي والمجتمع المدني والقوى السياسية يجب أن يتكاتفوا للضغط على كل الأطراف لوقف المعارك وفتح قنوات إنسانية آمنة فوراً.
ختاماً، إن التاريخ سيُذكِر من عمل على حماية شعبه ومدنه، ومن استغل الأزمات لتمرير مصالحه الخاصة. الشعب السوداني في أمسّ الحاجة اليوم إلى حكمة وضمير يقفان في صف الحياة، لا إلى سياسات الاستعلاء التي لا تُجدِي إلا بالمزيد من الخراب. علينا جميعاً أن نرفع لواء إنقاذ الإنسان السوداني قبل أن يفوت الأوان.




