رأي

جذور ثقافة العنف في السودان: قراءة في ضوء مقال محمد موسى جبارة (!)

د. فاطمة الزين الغالي - كليفورنيا

في مقاله المعنون “المغطى وملان شطة” والمنشور في سودانايل بتاريخ 21 مارس 2005، والذي أعيد نشره عبر الوسائط في ٢٤ اغسطس ٢٠٢٥؛ يقدّم الكاتب محمد موسى جبارة قراءة نقدية جريئة لجذور العنف في المجتمع السوداني، مؤكدًا أن ما نراه ليس وليد الإنقاذ وحدها بل امتداد لتاريخ طويل من الممارسات التي رسّخت العنف كجزء من الثقافة المحلية. يوضح جبارة أن العنف تَشكّل في الطفولة والمدرسة، وفي الموروث الشعبي من غناء الحكامات إلى الاحتفاء بالقتل كعنوان للشجاعة، كما يحفر في الذاكرة الجمعية عبر المذابح والحروب الأهلية منذ المهدية وحتى دارفور. وهو يرى أن إنكار هذه الحقيقة نوع من خداع الذات، إذ إن ثقافة العنف كامنة في المحكيات الشعبية، في الممارسات اليومية، وفي علاقة السلطة بالمجتمع، وان ما فعلتها الإنقاذ هو تعميقها واستخدامها وإحاطتها بإطار من القداسة ، حيث القتل والموت المقدس. هذه الرؤية العميقة كانت منطلقًا للغوص في أبعاد أخرى حول جذور ثقافة العنف في السودان، وهو ما يتناوله هذا المقال.

حيث ندلف بالقول مباشرة إلى أن جذور ثقافة العنف في السودان تعود في جانب كبير منها، إلى الثقافة العربية التي وفدت مع دخول العرب إلى السودان، حيث تمازجت تلك الثقافة مع البنية الاجتماعية والسياسية للسودان عبر قرون طويلة. وإذا ما قمنا بتقسيم المكونات القومية للسودان إلى شريحتين أساسيتين، نجد الأولى متمثلة في الشعوب الأصيلة وأصحاب الأرض القدماء مثل القبائل النيلية، النوبة، والكوشيين. هذه المجموعات التاريخية عُرفت بقدر أكبر من الميل إلى السلم الاجتماعي، وبمستويات متدنية نسبيًا من العنف، حيث كان نظامها القيمي يميل إلى التعايش، وتنظيم الصراعات عبر الأعراف والوساطات المجتمعية، لا عبر التصفية والإلغاء.

أما الشريحة الثانية فهي القوميات ذات الأصول العربية الوافدة من الجزيرة العربية، والتي حملت معها نمطًا ثقافيًا شديد الارتباط بالعنف والاقتتال. فقد ارتبطت هذه المجموعات بثقافة الغزو والهيمنة، وبتقاليد تمجّد القوة وتحتفي بممارسات العنف بوصفها دليلًا على الرجولة والسطوة. هذه الذهنية انعكست في تاريخ المنطقة عبر ممارسات قاسية، بدءًا من الاستعباد وامتهان كرامة الإنسان، وصولًا إلى عسكرة المجتمعات وإخضاعها بالقوة، وهي سمات شكلت لاحقًا أحد أبرز منابع أزمات السودان المعاصر.

وعند النظر إلى الأمثلة التي يسوقها كثير من الباحثين والمفكرين، نجد أن مظاهر العنف والانتهاكات الفادحة للإنسانية ارتبطت تاريخيًا بثقافة وافدة من الجزيرة العربية. يكفي النظر إلى ممارسات بني أمية والعباسيين في التاريخ الإسلامي، أو إلى الفظائع التي ارتكبها حزب البعث في العراق وسوريا، لندرك أن ثمة نسقًا متكررًا في هذه الثقافة، حيث يُستباح الإنسان باسم السلطة أو العقيدة أو العصبية. هذه الأمثلة تكشف بوضوح كيف ساهمت الثقافة العربية الوافدة في تكريس أنماط من العنف في السودان، لتصبح عاملًا بنيويًا يعوق بناء دولة قائمة على العدالة والتعايش الإنساني.
وإلى جانب البعد التاريخي والفكري، لعبت الثقافة الشفاهية التي تشكلت في السودان من هذا المزيج دورًا ملحوظًا في تعزيز أنماط العنف، لا سيما في مجتمعاتنا ذات الأصول العربية. فقد شكّلت المحكيات الشعبية، والأشعار الحماسية، والأغاني الحربية جزءًا من أدوات التنشئة الاجتماعية التي تمجّد الشجاعة والبطش باعتبارهما من مقومات الرجولة والمكانة الاجتماعية. كثير من هذه المرويات ارتبطت بسرديات الغزو، والفروسية، والقدرة على إخضاع الآخر، مما ساهم في ترسيخ قيم القوة على حساب قيم التسامح والتعايش. وعلى الرغم من أن الثقافة الشفاهية في المجتمعات السودانية الأصيلة كانت تميل إلى تعزيز التكافل والوساطة وحل النزاعات بطرق سلمية، إلا أن الموروث الشفاهي لدى بعض القوميات الوافدة ساعد في إعادة إنتاج أنماط العنف وتوريثها عبر الأجيال، ليصبح جزءًا من البنية الثقافية والاجتماعية التي لا تزال تؤثر في حاضر البلاد.

ويتقاطع هذا مع ما ذهب إليه بعض المفكرين من أن العنف يعد واحدًا من أهم خصائص ومكونات عرب الجزيرة العربية قبل الإسلام وبعده. وقد رصد الكاتب فرج فودة في كتابه الحقيقة الغائبة العديد من مظاهر العنف المجتمعي في تلك البيئات، ولعل ظاهرة وأد البنات مثال ساطع على ذلك. أما في السياق السوداني، فيمكن القول إن العنف أصبح جزءًا من الهوية التى تشكلت بفعل هذه الهجرات، لكنه لم يبلغ في بعض فتراته درجة التوحش المتمثل في ذبح الإنسان كما تذبح الشاة، ربما يعود ذلك إلى تأثير ثقافات المجتمعات السودانية الأصيلة التي وفدت إليها هذه العناصر المستعربة. ومن هنا، فإن العنف الذي يمارسه الإسلاميون (الكيزان) في السودان يرتبط بصورة أوثق بالفكر الإسلامي السلفي الذي شكّل وعيهم، لا بالثقافات السودانية المحلية كما يرى العديد من المفكرين والكتاب. وقد وجدت هذه المنظومة الثقافية العنفية الوافدة سندًا فكريًا في شخصيات مثل حسن الترابي، التي شرعنت ارتكاب الفظائع والمنكرات بدعوى “أسلمة المجتمع”، وهو ما جعل الكثيرين يتساءلون: “من أين جاء هؤلاء؟” في إشارة إلى انقطاعهم النفسي والثقافي عن روح المجتمع السوداني.

ختاما؛ إن تتبّع جذور ثقافة العنف في السودان يكشف أنها ليست نتاج عوامل آنية فحسب، بل حصيلة تراكم تاريخي وثقافي معقّد، تداخلت فيه موروثات وافدة مع بنى اجتماعية محلية، لتنتج نموذجًا هجينا من الممارسات. وقد أسهمت الثقافة الشفاهية، والسرديات البطولية، والتوظيف الأيديولوجي للفكر السلفي في تكريس هذه الأنماط وإعادة إنتاجها عبر الأجيال. غير أن قراءة متأنية لمسار المجتمعات السودانية الأصيلة تظهر أن قيم التعايش والوساطة والتكافل لا تزال حاضرة وقادرة على أن تشكّل أساسًا لمشروع وطني بديل.
وبناءً عليه، فإن تجاوز مأزق العنف في السودان يتطلب مراجعة نقدية شجاعة للتراث الثقافي والديني الذي شرعن القسوة والهيمنة، إلى جانب الاستثمار في نشر قيم المساواة والحرية واحترام الإنسان لذاته، بغض النظر عن عقيدته أو هويته. إن مستقبل السودان سيكون أكثر استقرارًا إذا أعاد السودانيون بناء هويتهم الوطنية على قاعدة الانفتاح والعدالة والتعايش، مستلهمين من إرثهم الأصيل قيم الإنسانية، لا من الموروثات الوافدة التي عمّقت الانقسام وأطالت أمد الأزمات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!