رأي

رقصة الشيخ السعودي!

منعم سليمان

 

منعم سليمان

سليمان العقيلي، صحفي سعودي تقول سيرته المبذوله أنه تخرّج في كلية الإعلام بجامعة الملك سعود، وتنقّل في مسيرته العملية محرراً في صحف الجزيرة والجيل والوطن، ثم في وكالة الأنباء السعودية (واس)، قبل أن يشغل منصب رئيس تحرير (مكلّف) لصحيفة الوطن السعودية مدة خمسة أشهر.

سيرة مهنية روتينية لدورة موظفٍ عادي لا تميّز فيها ولا ما يستدعي الوقوف عنده، لولا أن صاحبها لجأ إلى فضاء “تويتر” ليتحدى ملل ما بعد التقاعد، لا لينعشه بالحكمة والخبرة!

كتب العقيلي أمس مقالاً ركيكاً لغة وفكراً، خالياً من روح المهنة، ومجافياً لأدب الخطاب، لا يليق برجلٍ قضى نصف قرن في الصحافة، ولا بمن بلغه العمر أن يتنازل عن وقار السنّ إلى دركٍ من البذاءة في مخاطبة فتاةٍ هي في عمر حفيداته. وكان الأجدر به أن يتحلّى برزانة السن لا أن يتردّى إلى توصيفٍ يفتقد الحسّ المهني والإنساني.

جاء مقاله بعنوانٍ أقل ما يُقال عنه إنه بذيء: (فتاة مترفة ترقص في مسرح الدم بالفاشر) .. عنوان يفضح أكثر مما يُخفي، ويكشف عن نسخة سعودية من “خبراء البرهان الاستراتيجيين” الذين مثّلوا بنا – ولا يزالون- على شاشة قناتهم الأثيرة.. قناة الجزيرة!

هاجم العقيلي في مقاله الإعلامية المتميزة تسابيح مبارك، موفدة قناة سكاي نيوز عربية إلى مدينة الفاشر، التي ذهبت في مهمةٍ صحفية خالصة، ضمن أخطر ميادين المهنة: تغطية الحروب. فالإعلامي الذي يغامر بحياته ليُظهر الحقيقة يستحق الإكبار لا الازدراء، والثناء لا الابتذال.

لم تذهب تسابيح إلى الفاشر “كفتاةٍ” كما صوّرها العقيلي بعقليته الذكورية الضيقة، الغارقة في “تراث الأوّلين”، بل ذهبت كصحفيةٍ تحمل ضوء الكلمة لتوثّق الألم الإنساني وتمنح الضحايا صوتاً ووجهاً.

إنّ العقيلي، في جوهر الأمر، لا يهاجم تسابيح نفسها، بل يهاجم فكرة أن تُفتح نافذة إعلامية على مدينةٍ أراد هو ومن يقفون خلفه أن تبقى غارقةً في الظلام، أسيرةً لجراح الضحايا، ما صدق منها وما اختُلق. فمن هو المتاجر بالدم هنا؟

اعتمد مقال الرجل على الأوهام، فاعتبر الوصول إلى الفاشر “مهمةً مستحيلة” تستوجب تدخلاً غامضاً (من جهة ما!)، متناسياً أن خطر بلوغ الفاشر لا يختلف عن خطر الوصول إلى بورتسودان، فكلا المدينتين تُصنّفان ضمن أعلى درجات المخاطر الإنسانية بحسب تقارير الأمم المتحدة.

والشيء الوحيد الذي غاب عن الرجل هنا هو أن الصعوبة تكمن في قرار الذهاب، لا في وسيلة الوصول، وهي شجاعةٌ لم يعرفها، أو تجاهلها عمداً، إذ يكتب لغرضٍ، والغرض مرض!

أما قوله إنّ “موت السودانيين ليس قابلاً للفرجة والتصفيق”، فقولٌ يصحّ توجيهه إلى من يُصرّون على استمرار الحرب حتى يحكموا على أنقاض الوطن وجثث شعبه، لا إلى قناةٍ تلفزيونية أوفدت مراسلةً لتؤدي واجبها المهني وتكشف الحقيقة من أرضها. فالذي يتفرّج ويصفّق حقاً هو من يبرّر الموت باسم الانتهاكات، لا من يسعى إلى إنهائه بكشف فظاعاته.

ثم إنّ الانتهاكات لا تتوقف إلا بإيقاف الحرب، فمَن يقف مع وقف الحرب، ومن يدعم استمرارها؟

وأخيراً، إن كان لا بدّ من رقصةٍ في هذا المشهد كما يريد العقيلي، فهي رقصة الكلمة الصادقة التي أدّتها القناة ومراسلتها فوق جثث الأكاذيب، لا رقصته هو فوق أنقاض الشجاعة والضمير .. والأدب.

إن سفه الشيخِ لا حِلم بعده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!