
مؤيد الأمين
في الدول التي تنهض، يكون التعليم بوابة الحرية والعقل المستنير، أما في السودان، فقد تحوّل التعليم إلى أداةٍ للهيمنة والتوجيه العقائدي منذ أن بسط الإخوان المسلمون “الكيزان” سيطرتهم على البلاد عقب انقلابهم في يونيو 1989.
لم يكن هدفهم بناء دولة حديثة ولا إنسانٍ منتجٍ ومفكر، بل صناعة جيلٍ يسهل تسييره بالشعارات الدينية، جيلٍ مؤمنٍ بالطاعة العمياء، لا بالسؤال، ومشغولٍ بالعاطفة أكثر من انشغاله بالعقل.
البداية:
انقلاب على التعليم قبل أن يكون على السلطة
منذ اليوم الأول لوصولهم إلى الحكم، أدرك الكيزان أن السيطرة على مفاصل الدولة لا تكتمل إلا بالتحكم في العقول.
فالعقل الواعي خطرٌ على أي سلطة استبدادية، والعقل الذي يفكر ويحلل ويقارن لا يمكن تضليله بسهولة.
لذلك بدأوا مشروع “التمكين التعليمي”، وهو في جوهره مشروع تجهيل ممنهج يهدف إلى خلق إنسانٍ منقادٍ، يُسلّم قياده باسم الدين.
جرى إحلال الولاء مكان الكفاءة، فطُهّرت وزارة التربية والتعليم من الأساتذة المستقلين وأُقصي المعلمون أصحاب الفكر الحر.
تم استبدالهم بمن ينتمون للتنظيم أو من يدينون له بالولاء، لتصبح المدرسة نفسها منبراً سياسياً دعوياً أكثر منها مؤسسة تربوية.
تغيير المناهج… هندسة العقول على طريقة التنظيم
لم يكتفِ الكيزان بتغيير القيادات، بل دخلوا إلى جوهر العملية التعليمية: المناهج الدراسية.
ففي تسعينات القرن الماضي، بدأ مشروع “إعادة صياغة الإنسان السوداني” الذي صاغه الترابي ونفذه تلاميذه، وجرى خلاله تعديل شامل للمناهج لتتماشى مع فكر الحركة الإسلامية.
أُدخلت مواد جديدة مثل “التربية الجهادية” و”الثقافة الإسلامية” و”فقه المعاملات”، وتم حذف فصولٍ من كتب التاريخ والجغرافيا كانت تمجد التنوير والتعدد الثقافي.
لم تعد الدروس تتحدث عن الثورة المهدية بوصفها حركة وطنية ضد الاستعمار، بل كـ”جهادٍ ديني” ضد الكفار.
ولم تعد الحضارات القديمة تُعرض من منظور علمي، بل من زاوية عقدية ضيقة ترى في الماضي الإسلامي وحده مصدر الفخر.
هكذا تم استبدال التفكير النقدي بالتلقين العقائدي، والعقل العلمي بالعقل الإيماني المبرمج على الطاعة.
الجامعة… من منبرٍ للحرية إلى وكرٍ للتجنيد
امتدت يد التمكين إلى الجامعات، التي كانت يوماً ما مركز إشعاعٍ فكري وثقافي في إفريقيا والعالم العربي.
أُفرغت الجامعة من معناها الحقيقي، وتم استبدال مجالسها العلمية بلجانٍ حزبية، وفرضت اتحادات طلابية تابعة للتنظيم تحت شعار “الاتجاه الإسلامي”.
كانت الجامعات السودانية قبل الإنقاذ مناراتٍ للفكر والتنوير، تخرّج فيها المفكرون والعلماء والأدباء.
لكن بعد سيطرة الكيزان، أصبحت ساحة صراعٍ أيديولوجي، تُمارس فيها الرقابة الفكرية، وتُلاحق فيها الأصوات الحرة.
وأصبح معيار التعيين في هيئة التدريس هو الانتماء السياسي لا الكفاءة الأكاديمية.
حتى أن كثيراً من أساتذة الجامعات الذين رفضوا الانصياع تم فصلهم أو إجبارهم على الهجرة، ففقد السودان بذلك نخبه العلمية.
نتيجة ذلك كانت كارثية: تراجع المستوى الأكاديمي، وانهارت سمعة الجامعات السودانية التي كانت تُعد يوماً من الأفضل في المنطقة
جيل العاطفة لا العقل
حين تُقتل حرية التفكير، ويُختزل الدين في طقوسٍ سطحية وشعارات، فإن الناتج الطبيعي هو جيل عاطفي بلا مشروع فكري.
جيلٌ يرى العالم بمنظارٍ ثنائي: من معنا فهو في الجنة، ومن ضدنا فهو في النار.
جيلٌ يتأثر بالخطب أكثر من تحليلات الواقع، ويصدق كل من يرفع المصحف أو يتحدث باسم الله.
لقد عمل الكيزان طوال ثلاثة عقود على زرع هذا النمط من التفكير، عبر التعليم والإعلام والمساجد.
نشأ جيلٌ يتحدث كثيراً عن الجنة والجهاد، لكنه لا يعرف كيف يُصلح طريقاً أو يُطور قرية أو يُبتكر حلاً لأزمة.
جيلٌ مهيأ نفسياً للانقياد، يصفق للخطاب العاطفي، ويتشكك في أي فكر نقدي أو دعوة للتغيير العقلي.
تدمير التعليم العام… انهيار المدارس والمعلمين
التدمير لم يكن فكرياً فقط، بل مادياً أيضاً.
ففي عهد الإنقاذ، تراجعت ميزانية التعليم إلى أدنى مستوياتها، بينما تضخمت مخصصات الأمن والدفاع.
انهارت البنية التحتية للمدارس، وتحوّل التعليم إلى عبءٍ على الأسر.
المعلم، الذي كان يوماً قدوة المجتمع، أصبح يعيش في الفقر، يضطر للعمل في الأسواق أو الترحيلات لتغطية احتياجات أسرته.
ومع إهمال التدريب والتأهيل، ضعف الأداء التربوي، وانهارت هيبة التعليم.
في المقابل، تم إنشاء مدارس خاصة للنخبة – غالباً مملوكة لرموز النظام – تقدم تعليماً راقياً لأبناء المسؤولين، بينما تُرك عامة الشعب في مدارس بلا مقاعد ولا كتب.
هذا خلق نظاماً تعليمياً طبقياً يُكرّس الفوارق الاجتماعية ويُعمّق الفساد.
التعليم كأداة سياسية لا وسيلة للنهضة
الكيزان لم يروا في التعليم وسيلة لبناء وطنٍ مزدهر، بل أداة لغسل الأدمغة وضمان الولاء.
كانت المدرسة مكاناً لتلقين مفاهيم “البيعة”، و”الطاعة”، و”العداء للغرب”، أكثر من كونها بيئةً للبحث عن الحقيقة.
لقد أدخلوا مفردات الحرب والعداء حتى في القاعات الدراسية:
“نحن جند الله، وجند الوطن، نحمي الدين بالسلاح قبل القلم.”
بهذه اللغة نشأ الأطفال، فكبروا وهم يخلطون بين التدين والعنف، وبين الوطنية والانتماء للحزب.
وهكذا، تحول التعليم من منارةٍ للوعي إلى أداةٍ للهيمنة.
جيل بلا طموح
حين يسود التلقين مكان الإبداع، والخوف مكان الحرية، والعاطفة مكان التفكير، فإن الطموح يذبل.
وهذا ما أراده الكيزان بالضبط: جيلٌ يعيش في قوقعة الماضي، ينتظر “الخلافة” ولا يسعى إلى المستقبل.
جيلٌ يُقاس إيمانه بعدد ما يحفظ من الشعارات لا بما ينتج من أفكار.
لقد دمروا في الشباب روح المبادرة، وخلقوا شعوراً عاماً باليأس من إمكانية التغيير.
حتى أولئك الذين درسوا في الجامعات وجدوا أنفسهم بلا مهارات حقيقية، لأن التعليم نفسه لم يكن يعدّهم لسوق العمل أو للبحث العلمي، بل ليكونوا أدوات في جهاز الدولة.
حين ينهار التعليم ينهار الوطن
ما نراه اليوم من حروبٍ وصراعاتٍ وجهلٍ عامٍ بالحقوق والواجبات، ليس وليد صدفة، بل نتيجة مباشرة لذلك المشروع التدميري.
فحين يُجهل الإنسان، يسهل تضليله واستغلاله.
وحين يُربى على العاطفة بدل التفكير، يصبح أداة في يد أي دجالٍ يرفع شعار الدين أو الوطن.
النتيجة واضحة:
انتشار خطاب الكراهية والانقسام.
تفشي الجهل بالمواطنة والديمقراطية.
ضعف الإنتاجية وغياب الكفاءات.
هجرة العقول إلى الخارج بحثاً عن بيئة تحترم العلم.
إن التعليم هو أول ضحية للحكم الشمولي، وهو أيضاً آخر ما يُشفى بعد سقوطه.
ما بعد الكيزان… هل يمكن إعادة بناء العقل السوداني؟
التحدي الأكبر الآن هو استعادة التعليم كأداة للتحرر لا كوسيلة للسيطرة.
وهذا لا يكون بتغيير الكتب فقط، بل بتغيير الفلسفة التي يقوم عليها التعليم نفسه.
يجب أن يُبنى على التفكير النقدي، والإبداع، والبحث، لا على الحفظ والتلقين.
نحتاج إلى معلمين أحرارٍ في الفكر، ومدارس تُعلّم السؤال قبل الجواب.
نحتاج إلى إعادة الاعتبار للمعرفة بوصفها طريق الخلاص من الفقر والاستبداد، لا مجرد وسيلة لوظيفة حكومية.
لقد دمّر الكيزان نظام التعليم عمداً ليحكموا شعباً جاهلاً، لكن الشعوب لا تموت بالجهل إلى الأبد.
فكما قاوم السودانيون الدكتاتورية بالساحات، يمكنهم أن يقاوموا التجهيل بالوعي والمعرفة.
خاتمة:
المعركة القادمة هي معركة وعي
في النهاية، ما فعله الكيزان بالتعليم لم يكن مجرد فسادٍ إداري أو فشلٍ في التخطيط، بل جريمة فكرية ممنهجة.
لقد أرادوا أن يسرقوا عقول الناس قبل أن يسرقوا ثرواتهم، وأن يطمسوا قدرة المجتمع على التفكير حتى يضمنوا بقاءهم.
لكن الوعي بدأ يعود، والجيل الذي حاولوا تدجينه بدأ يسأل ويشك ويحلل.
وهذا السؤال هو بداية التحرر.
فكل مدرسة تُفتح اليوم لتعليم التفكير لا التلقين، وكل معلمٍ يزرع في طلابه الشك قبل الإيمان الأعمى، هو في الحقيقة يقاوم مشروع التجهيل نفسه.
إن معركة السودان القادمة ليست فقط ضد الحرب والسلاح، بل ضد الجهل الذي صنع الحرب.
وحين ينتصر العقل، تسقط كل المشاريع التي بنت قوتها على الجهل والخرافة.




