
نجوي بابو
الحرب في السودان لم تعد مجرد مواجهة بين قوتين عسكريتين ، بل أصبحت نموذجًا صريحًا لما يُعرف بـاقتصاد الحرب، حيث تتحول البلاد إلى ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح السياسية والمالية والعسكرية، ويصبح استمرار النزاع في حد ذاته مصدر ربح ونفوذ. في هذا السياق، لا يعود الحديث عن الشرعية السياسية مجرد نقاش نظري، بل مسألة مرتبطة مباشرة بسلوك الفاعلين على الأرض؛ إذ إن أي سلطة مدنية كانت أو عسكرية تفقد معناها القانوني والأخلاقي عندما ترتبط، بشكل مباشر أو غير مباشر، بشبكات تسليح غير مشروعة أو تستفيد من إطالة أمد الحرب.
المشكلة الأساسية ليست فقط في وجود السلاح، بل في المنظومة التي تديره وتموّله. فالاتهامات المتعلقة بتهريب الأسلحة واستخدام شركات واجهة وتحويل الأموال عبر قنوات معقدة ليست أمورًا هامشية، بل تندرج ضمن جرائم معروفة في القانون الدولي مثل الاتجار غير المشروع بالأسلحة وغسل الأموال. هذه الجرائم لا تُقاس بخطورتها فقط من حيث خرق القانون، بل من حيث أثرها المباشر في تغذية العنف وإطالة أمده. ومع ذلك، فإن خطورة هذه الاتهامات تفرض التعامل معها بميزان دقيق: لا يكفي تداول القوائم أو التسريبات لإثباتها، بل لا بد من تحقيقات مستقلة وأدلة قابلة للمساءلة القضائية، وإلا تحولت إلى جزء من حرب إعلامية موازية لا تقل خطورة عن الحرب نفسها.
في خضم هذا التعقيد، يبرز دور العمل الإنساني كأحد أكثر المجالات عرضة للالتباس. من حيث المبدأ، يقوم هذا العمل على الحياد الإنساني، كما تكرسه اللجنة الدولية للصليب الأحمر وغيرها من المؤسسات، أي تقديم المساعدة دون انحياز لأي طرف. لكن الواقع في النزاعات المنهارة يُظهر أن هذا الحياد يصبح هشًا، إما بسبب ضغوط الأطراف المسلحة أو بسبب اختراقات محدودة. هنا يجب التمييز بوضوح: إذا ثبت أن جهة إنسانية استُخدمت كغطاء لنشاط عسكري أو مالي غير مشروع، فإن ذلك يُعد خرقًا جسيمًا يستوجب المحاسبة؛ أما تعميم الاتهام على كامل المنظومة الإنسانية دون دليل، فهو لا يضر إلا بالمدنيين الذين يعتمدون على هذه المساعدات للبقاء.
أما على مستوى الانتهاكات، فالصورة أكثر قسوة ووضوحًا. التقارير الدولية تتحدث عن أفعال يمكن تصنيفها ضمن جرائم الحرب وفقًا لما ورد في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، من استهداف للمدنيين، ونهب للمرافق الصحية، وعرقلة متعمدة لوصول الإغاثة. هذه ليست مجرد تجاوزات فردية، بل مؤشرات على انهيار قواعد الاشتباك القانونية والأخلاقية. وفي مثل هذه الحالات، لا تسقط المسؤولية بحجة الفوضى أو الضرورة العسكرية، بل تظل قائمة ويمكن ملاحقتها دوليًا.
الانهيار الصحي في مناطق واسعة من السودان ليس عرضًا جانبيًا للحرب، بل دليل مباشر على فشل الدولة في أداء أحد أهم التزاماتها. وجود وزير أو مؤسسة رسمية لا يعني شيئًا إذا كانت المستشفيات خارج الخدمة، والأدوية غير متوفرة، والمدنيون يُتركون لمصيرهم. من منظور القانون الدولي، هذا الوضع يعكس حالة الدولة الهشة، حيث تتآكل القدرة على تقديم الخدمات الأساسية، ويصبح المواطن خارج دائرة الحماية الفعلية.
الخلاصة التي لا بد من مواجهتها بوضوح هي أن الحرب في السودان لم تكشف فقط عن صراع على السلطة، بل عن أزمة عميقة في بنية الدولة والمجتمع، حيث تداخلت السياسة بالتجارة غير المشروعة، واختلط العمل الإنساني بالشكوك، وتراجعت قيمة الإنسان أمام منطق القوة. ومع ذلك، فإن الخروج من هذا الواقع لا يكون عبر تعميم الاتهامات أو إطلاق الأحكام المطلقة، بل عبر مسار واضح يقوم على توثيق الحقائق، ومحاسبة المسؤولين استنادًا إلى الأدلة، وإعادة بناء الشرعية على أساس القانون لا الأمر الواقع. بدون ذلك، سيبقى السودان عالقًا في دائرة مغلقة، تتغير فيها الوجوه، لكن يبقى جوهر الأزمة كما هو.




