رأي

جذور الأزمة في السودان وتحديات بناء الوعي بالحقوق الأساسية 

مها طبيق

 

مها الهادي طبيق

من أبرز مظاهر الخلل البنيوي الذي أعاق بناء دولة المواطنة والتحول الديمقراط هو أزمة الوعي الاجتماعي بالحقوق الأساسية في السودان . فعلى الرغم من تعدد التجارب الثورية والسياسية ، لم يتكوّن وجدان وطني مشترك يؤمن بأن الكرامة ، والحرية ، والعدالة ، والمساواة هي قيم فوق الانتماءات الجهوية والعرقية والدينية . هذه الفجوة الوجدانية نتاج تراكم تاريخي للهيمنة الثقافية ، والتهميش الاقتصادي ، وتسييس الهوية منذ فجر الاستقلال .

تكمن الجذور التاريخية للأزمة منذ نشأة الدولة السودانية الحديثة عقب الاستقلال ، حيث فُرض نموذج أحادي للهوية قائم على مركزية ثقافية ودينية ضيّقة ربطت المواطنة بالانتماء العربي والإسلامي . هذا النموذج خلق مواطنين من درجات متفاوتة في الحقوق والفرص ، مما ولّد شعورًا متجذرًا بالغبن لدى شعوب الأقاليم المهمشة مثل دارفور ، والنيل الأزرق ، وجبال النوبة . وبمرور الزمن ، بات الوعي بالحقوق في تلك المناطق نابعًا من تجربة المعاناة لا من منظومة قيم وطنية جامعة .

أول كارثة للأزمة هو انهيار منظومة التضامن الاجتماعي ، فكان في السابق التضامن الاجتماعي في السودان تاريخيًا قائمًا على قيم التكافل الأهلي والقبيلة ، لا على مفهوم الحقوق المدنية الحديثة . ومع تحوّل الدولة إلى أداة هيمنة بيد النخب السياسية والاقتصادية ، انقطع الرابط بين المواطن والدولة ، وانحصر التضامن في دوائر ضيقة قائمة على الانتماء الجهوي أو العرقي . فلقد دمّرت اللامساواة والاحتكار منظومة الثقة التي تُعدّ أساس أي تضامن إنساني حول الحقوق .

كذلك تشوه الوعي بالحقوق الأساسية ، حيث لم تنتج النخب الحاكمة مشروعًا وطنيًا للتربية المدنية أو التثقيف الحقوقي .

بل جرى توظيف الدين والتعليم والإعلام لترسيخ الطاعة والوصاية بدلاً من النقد والمساءلة . وبذلك ، أصبح الوعي الجمعي مشوّهًا : فكثير من المواطنين لا يرون في الحرية والعدالة والمساواة حقوقًا أصيلة ، بل “منحًا” تُمنح أو تُسحب وفق الولاء السياسي أو الديني . إنها أزمة إدراك وكرامة قبل أن تكون أزمة قانون أو دستور .

أضف إلي تفكك الوجدان الوطني المشترك من غياب الوعي تجاه الحقوق الذي انعكس مباشر لانقسام الهوية السودانية نفسها . فالمجتمع يعيش وفق روايات متناقضة عن التاريخ والانتماء — بين من يرى السودان امتدادًا للعروبة والإسلام ، ومن يراه بلدًا إفريقيًا متعدد الثقافات . هذه الازدواجية أضعفت الحس الجمعي بالعدالة ، فصار المواطن لا يشعر بآلام الآخر ، ولا يرى في انتهاك حقوقه قضية تمسه .

أصبحت المأساة في دارفور أو النيل الأزرق حدثًا “محليًا”، لا جرحًا وطنيًا .

في ظل غياب مؤسسات قانونية مستقلة وهيئات رقابية فاعلة ، تحول الدفاع عن الحقوق إلى فعل فردي أو مناطقي ، بعيدا من كونها حركة مجتمعية . فالأحزاب السياسية فشلت في تبني خطاب حقوقي جامع ، وانشغلت بالمحاصصة والولاءات . أما منظمات المجتمع المدني فظلت نخبويّة الطابع ، تتحدث بلغة المموّل، ما عمّق الفجوة بين الوعي الحقوقي والواقع الاجتماعي .

كيف نعيد بناء الوعي الجمعي ؟

استعادة الوجدان الوطني المشترك تتطلب مشروعًا تربويًا وثقافيًا طويل المدى يربط بين العدالة الاجتماعية والحقوق المدنية في وعي المواطن .

فالتضامن ينبغي الا يُفرض بالقرارات ، وإنما يجب ان يُبنى على إدراكٍ مشترك تقود إلي أن انتهاك حق أي إنسان هو تهديد لحقوق الجميع .

ولتحقيق ذلك ، يجب : إصلاح منظومة التعليم لترسيخ قيم المواطنة والمساءلة . وتحرير الخطاب الديني من التوظيف السياسي . وتمكين الإعلام المستقل لنشر ثقافة الحقوق والشفافية . بالإضافة إلي دمج التربية الحقوقية في السياسات الثقافية والإعلامية الوطنية .

أزمة الوعي الاجتماعي بالحقوق في السودان هي نتاج تاريخ طويل من التمييز والتهميش وانعدام العدالة . وإن غياب الوجدان المشترك يعني غياب المشروع الوطني الذي يُعيد تعريف الانتماء والحق والواجب . فبناء السودان الجديد يبدأ من وعي الإنسان السوداني بذاته وكرامته ، لأن الكرامة ليست شعارًا سياسيًا — بل حقّ لا يُجزّأ، ولا وطن بلا وعي يحميه .

مها الهادي طبيق

12 نوفمبر 2025

mahatebig@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!